إبحث في الموقع  
الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين
 

الثورة والحزب الشيوعي العراقي(2-2)

أرسل إلى صديق ارسل لصديقك نسخة للطباعة اطبع


الفصل الثامن(2)

الثورة والحزب الشيوعي العراقي(2-2)

دور الحزب في الصراعات السياسية 
لعب الصراع السياسي الدموي بين القوى السياسية دوراً كبيراً في عرقلة مسيرة الثورة وإرباك قيادتها في تنفيذ برنامجها السياسي والإقتصادي والإجتماعي، وذلك بإشغالها بحماية أرواح الناس من أعمال العنف والشغب، مما مهد السبيل أمام خصومها لإغتيالها في 8 شباط 1963. وقد تفجر الصراع في البداية بين التيار القومي والبعثي من جهة، والتيار الوطني المتمثل بالحزب الوطني الديمقراطي والشيوعي والديمقراطي الكردستاني، وأغلب الأقليات القومية في العراق من جهة أخرى، في أعقاب رفع شعار الوحدة الإندماجية الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة من قبل التيار القومي- البعثي، وعارضتها التيارات الأخرى. لقد أثارت المطالبة بالوحدة الفورية الهلع في الشيوعيين، وذلك لعلمهم بما حصل للشيوعيين السوريين بعد الوحدة بين سوريا ومصر، وللحزب الشيوعي المصري الذي تم حله وإعدام أحد قادته شهدي عطية، وكذلك ما جرى لزعيم الحزب الشيوعي اللبناني من تعذيب حتى الموت على أيدي المباحث المصرية كما مر بنا في فصل سابق. فكان ناصر ضد الأحزاب، بينما كان عبدالكريم قاسم مع حرية الأحزاب. وقد شمل هذا الصراع السلطة والشعب، من قيادة الثورة إلى مختلف طبقات دوائر الدولة وشرائح المجتمع، حيث بدأ الإنشقاق بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وبالتالي الاستقالة الجماعية للوزراء القوميين وما تلاها من عواقب وخيمة، أشبه بقطع الدومينو.. كل قطعة تسقط القطعة التي تليها، أي كارثة تفضي إلى كارثة أخرى.
كما وقدم الشيوعيون، أو من اندس في صفوفهم من الخصوم آنذاك، خدمة لا تثمن للبعثيين في هذا الصراع، وذلك عن طريق إطلاق شعارات وهتافات لم تكن في صالحهم ولا في صالح الثورة، لأنهم بذلك قاموا بدعاية واسعة وبالمجان لتعريف الشعب العراقي بحزب البعث الذي لم يسمع به قبل الثورة إلا نفر قليل من المهتمين بالسياسة، وذلك عن طريق رفع شعارات وترديد هتافات هابطة ضد البعث مثل (المايصفك عفلقي)، مما أثار فضول الناس فراحوا يتساءلون عن هذا الحزب، وما هي أهدافه ومن هم قادته..الخ. ولم يتوقف عداء الشيوعيين لحزب البعث والقوى القومية الأخرى، بل تجاوز ذلك حتى إلى الحزب الوطني الديمقراطي فيما بعد، بسبب المنافسة الحزبية الضيقة على كسب الجماهير، والهيمنة على الشارع، والمنظمات الشعبية. وكمثال، اذكر هنا بعض الحوادث المؤسفة.

حادثة الفاو: كنت شاهد عيان في هذه الحادثة المؤسفة. ففي عام 1959 أراد الحزب الوطني الديمقراطي فتح فرع له في مدينتي (الفاو)، وهي من أقضية البصرة، ولدتُ ونشأتُ فيها حتى نهاية تعليمي المتوسط. بدأ الاحتفال بعد الظهر في مقهى كبير في مركز المدينة، وكانت الجماهير محتشدة فيه وفي الشارع المحاذي له، يستمعون إلى كلمات الخطباء. وكنتُ يومها صبياً أتفرج على الرصيف مع الآخرين. وكان من بين الحاضرين أعضاء قيادة فرع الحزب الوطني الديمقراطي في البصرة ومنهم المرحوم جعفر البدر، والأستاذ عبدالأمير العرادي، والأستاذ نائل سمحيري وغيرهم، وكلهم من وجهاء البصرة المعروفين بمكانتهم الإجتماعية المحترمة. وبينما كان الحفل جاريا وبهدوء وإذا بمظاهرة صاخبة تنطلق من مقر نقابة العمال القريبة من مكان الإحتفال، اندفعت كالسهم وبشكل هستيري نحو مكان الإحتفال وهجموا على المقهى وهم يهتفون بشكل جنوني (إنريد دولة حرة بعثية ما بيها.!)، ثم تطور الهتاف إلى (إنريد دولة حرة "....." مابيها..!). وبدأ الهجوم والضرب بالكراسي. واستطاعت الشرطة والناس حماية الشخصيات داخل المقهى وإنقاذهم وإخراجهم من الباب الخلفي للمقهى إلى الباص حيث عادوا إلى مدينة البصرة بعد جهد جهيد وهم في هلع وأسوأ حالة نفسية. علماً بان المرحوم جعفر البدر كان له الفضل على الكثير من الشيوعيين في العهد الملكي حيث كان مديراً لمعمل البيبسي كولا، وكان يختار أغلب عماله وموظفيه من الشيوعيين وغيرهم من المناضلين السياسيين الذين سدت في وجوههم أبواب العمل في الأماكن الأخرى بسبب إضطهاد السلطة الملكية لهم.

حوادث أخرى: لم تكن حادثة الفاو الوحيدة أو الفريدة من نوعها، بل تكررت في أغلب المدن العراقية، وأدت بعضها إلى خسائر في الأرواح. وقد بلغت تجاوزات الشيوعيين حتى إلى الوزراء من أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي. إذ يقول محمد حديد (وزير المالية): كان الشيوعيون يتظاهرون بين فترة وأخرى أمام وزارتي إعتقاداً منهم بأن الثورة ما زالت لم تصل إليها بعد، فقد احتجوا على وزارة المالية دون أن يكون لهم إهتمام بشؤون المال والأعمال.(7)
أما هديب الحاج حمود فتصدوا له خلال وجوده في الوزارة وخارجها وهتفوا ضده (هوسات) مثل: "هديب إقطاعي شلون تأمِّن به إسمع يا كريِّم".(8). علماً بأن هديب الحاج حمود كان قد آوى الشيوعيين في العهد الملكي في بيته عندما كانوا مطاردين من قبل الشرطة، وكان رحيماً بفلاحيه فقد انصفهم، وذلك بمنحهم نسبة 60% من المحاصيل الزراعية، وجهز المزارع بمكائن السقي لزيادة الإنتاج، وتحمل هو القسط الأكبر من النفقات، الأمر الذي ساعد على رفع المستوى المعيشي للفلاحين العاملين في أراضيه وكان محبوباً ومحترماً من قبلهم. وقد شبهه حنا بطاطو بتولستوي في تعامله مع فلاحيه. 
كذلك وقع اعتداء من قبل الشيوعيين على الوطني الديمقراطي في أماكن ومناسبات أخرى، إذ ينقل الدكتور على كريم سعيد عن يونس الطائي الذي أخبره قائلاً: "عندما حصلت المظاهرة الكبرى بعيد العمال العالمي عام 1959، جاء بعض أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي إلى عبدالكريم قاسم، وكنت حاضراَ، فأشتكوا إليه ضرب الشيوعيين لهم، وكان يرافقهم الأستاذ محمد حديد (وزير المالية)، وأجهش بعضهم بالبكاء، فما كان من الزعيم عبدالكريم قاسم إلا أن أخرج منديله وشاركهم البكاء بعد أن جلس مثل جلستهم ثم قال لهم " أنا مظلوم مثلكم واحتاج للبكاء، ولكن يجب أن ننتظر."(9)
وقد بلغ الأمر حداً أن حاول الشيوعيون الإعتداء حتى على المهندس المعماري المعروف رفعة، نجل المرحوم كامل الجادرجي زعيم الحزب الوطني الديمقراطي، فاتصل بمحمد حديد والذي أخذه إلى الزعيم قاسم يشكو أمره.(10)

رأي الجادرجي في الشيوعيين: يذكر رفعة الجادرجي عن زيارة قام بها عامر عبدالله إلى بيتهم لمقابلة والده وليقنعه بإعادة دور الجبهة فلم يفلح. فيقول: "وبعد أن ترك عامر عبد الله الدار قال الوالد: صعب العمل مع الشيوعيين، فهم يركبون رأسهم عندما يشعرون بالقوة. وتصبح التقدمية والوطنية وقفاً عليهم. أما إذا كانت الأمور في غير صالحهم فتراهم أول من ينادي بضرورة التعاون والمطالبة بتكوين جبهة وطنية".(11)

رأي بطاطو:يقول الأستاذ حنا بطاطو في كتابه، تاريخ العراق، إن الشيوعيين اعتمدوا في كسب الجماهير على إثارة مخاوفها، والعمل على توتير الأجواء بالإدعاء عن مؤامرات ضد الجمهورية. ولكن لا تستطيع الجماهير أن تعيش على أعصابها إلى ما لا نهاية، ولذلك سأمتْ من هذا الإسلوب وبدأ الإنحسار، خاصة بعد أحداث الموصل وكركوك، وخطاب الزعيم في كنيسة مار يوسف، الذي أدان فيه أعمال الفوضى والشغب وأخذ موقفاً متشدداً من الحزب مما هو معروف في تاريخ تلك المرحلة.

دور الحزب الشيوعي في حوادث العنف
لقد وقعت أحداث مؤسفة خلال الإحتفالات بعيد الثورة الأول، فجرت مصادمات دموية في المسيب، والديوانية، والحي وغيرها من مدن وسط وجنوب العراق، ذهب ضحيتها عدد كبير من الأفراد من كلا الطرفين. كما حدثت اضطرابات دامية أيضاً في كركوك اتخذت أبعاداً أوسع مما تقدم ذهب ضحيتها 79 قتيلاً أو أكثر من ذلك. ولكن مما يجدر ذكره أن المذكرة التي قدمها التركمان إلى الزعيم عبد الكريم قاسم بتاريخ 18/7/1959 إثر هذه المجزرة كانت القائمة تضم أسماء 25 ضحية فقط، ونشر المؤرخ جرجيس فتح الله نصها في الجزء الثاني من كتاب (العراق في عهد قاسم، آراء وخواطر، الجزء الثاني، دار نبز،السويد، 1989).
وقد أثارت هذه الأحداث الزعيم عبد الكريم قاسم، فألقى كلمة في كنيسة مار يوسف في 19 تموز/يوليو 1959 هاجم فيها أعمال العنف التي ارتكبت في كركوك ومدن أخرى. ثم عقد مؤتمراً صحفياً في 29 تموز 1959 تحدث فيه عن الجرائم التي ارتكبت في كركوك ومدن أخرى من العراق أشار من طرف خفي إلى أن الشيوعيين هم الذين قاموا بها، إذ جاء في حديثه: "لو لم اشجب هذه الأعمال في كلمتي في مار يوسف، فإن كرامتنا كانت ستهدر في الخارج، وكانت ستثار ضجة حولنا في الصعيد العالمي. لدي تصاوير التقطت خلال الحوادث تدين بعض الجماعات، فانظروا إلى هذه الأعمال الوحشية التي صدرت عن أبناء الشعب الواحد. نحن نريد ديمقراطية، فهل هذه هي الديمقراطية؟ وهل هؤلاء هم أعداء الشعب؟ ماذا كانوا يريدون؟ انظروا إلى هذه الأوضاع. فهل فعل الصهاينة مثل هذا في دير ياسين؟ أن هذا العمل أريد به أن يتكرر في الناصرية والسماوة وفي بغداد وفي الأعظمية والكرادة والكرخ إلا إننا أوقفناها في اللحظات الأخيرة، إن الذي يفكر بهذا التفكير الفوضوي فهو سافل وهو أحط من الفاشيست".(12)

كما ذكر في خطابه في كنيسة مار يوسف: "أما ما حدث أخيراً في كركوك فإنني أشجبه شجباً تاماً، وبإستطاعتنا أيها الإخوان أن نسحق كل من يتصدى لأبناء شعبنا بأعمال فوضوية نتيجة للحزازات والأحقاد والتعصب الأعمى". ثم قال: "إنني سوف أحاسب حساباً عسيراً أولئك الذين اعتدوا على حرية الشعب في كركوك بصورة خاصة وفي المدن الأخرى والقرى والأرياف".(13)

كما وقال الزعيم في حديث له مع وفد الإتحادات والنقابات العمالية:
"إن الذين يدعون بالحرية والذين يدعون بالديمقراطية لا يعتدون إعتداءً وحشياً. إن حوادث كركوك لطخة سوداء في تاريخنا ولطخة سوداء في تاريخ ثورتنا. هل فعل ذلك بيجوي أو هولاكو؟ هذه مدنية القرن العشرين؟ لقد ذهب ضحية هذه الحوادث 79 قتيلاً يضاف إليهم 46 شخصاً دفن بعضهم وهم أحياء وقد أمكن إنقاذ 3 أشخاص منهم فقط".(14)

لقد اعتمد الشيوعيون على إثارة المخاوف من المؤامرات مما جعل قاسم يقول في مؤتمره الصحفي في 29/7/1959: "إنني أطلب منكم أن تقلعوا عن الكتابة عن أية مؤامرة، وإنه لتردي في الخلق أن ينشأ الأطفال على مثل هذه العبارة (ماكو مؤامرة تصير والحباال موجودة)، وغيرها من العبارات الهمجية والوحشية". وعرض عدداً من الخرائط على الطاولة وقال: "إن إتحاد الطلبة في كتابه المفتوح يقول: إن الشرطة وقوات الأمن قد داهمتنا ليلاً وفتشت مقرنا فلم تجد شيئاً، وأنا الآن أريكم ماذا فكر فيه إتحاد الطلبة". وأشار إلى الخرائط، وهي تحدد قاعات معينة في بغداد، أشير عليها دور بعض المشبوهين بنظرهم مع أرقامها، وبعض الأسهم التي تعين مواقعها.. ثم قال: "إخجلوا من هذه الفوضى، من أين جاءت عندهم هذه الخرائط، والتي لا بد لها من نسخ أخرى، فهي مطبوعة بالكاربون.. كما إن مدينة كركوك كانت دورها معلمة على الخرائط، وذهب الفوضويون إلى تلك الدور، وأخرجوا أصحابها وقتلوهم".(15)
ونتيجة لهذه الحوادث ورد فعل حكومة الثورة، عقدت اللجنة المركزية إجتماعاً موسعاً في أواسط تموز 1959، انتقد فيها هذه الأعمال التي وصفها بالعفوية صدرت عن الجماهير للحفاظ على مكتسبات الثورة. بمعنى أن الحزب مارس النقد الذاتي والإعتراف بالخطأ، واعتبر ما حدث في مدن العراق أخيراً بأنها "إندفاعات خاطئة".(16)

تجميد الأحزاب وإجازتها
وبسبب هذه الحوادث المؤسفة، طالب الزعيم تجميد الأحزاب. فجمد الحزب الوطني الديمقراطي نشاطه وركز على نشاطه داخل الوزارة من أجل القيام بالبناء الإقتصادي والنهوض الإجتماعي. ورفض الشيوعيون ذلك. فتلقى الضربات نتيجة لعمله السياسي.
وقد وعد قاسم أن تكون فترة حضر الأحزاب أقصر فترة من أجل إيقاف الصراعات الدامية. وشرَّعت حكومة الثورة قانون الجمعيات في كانون الثاني عام 1960، وأجيز وفق هذا القانون نحو 700 جمعية (حنا بطاطو). وحصلت جميع الأحزاب التي قدمت طلباً للإجازة عدا الحزب الشيوعي العراقي وذلك بسبب أحداث الموصل وكركوك والمحاولة الإنقلابية في حزيران 1959 وغيرها من أعمال الفوضى التي شوهت سمعة الحزب في وقتها وما زال يدفع الثمن. كذلك حزب التحرير الإسلامي  لم يمنح حرية العمل في البداية، ولكنه قدم شكوى إلى محكمة التمييز وفاز بالدعوى، ولم يتدخل قاسم بقرار المحكمة. لذا يعتقد البعض أنه لو عمل الحزب الشيوعي نفس الشيء، لربما فاز، ولكن الحزب لم يقم بذلك لإعتقاده بأن أعضاء المحكمة سوف لن يعاملوه كما عاملوا حزب التحرير الإسلامي.
وقد أدركت قيادة الحزب خطأ هذه السياسة بعد فوات الأوان. وأعترف بذلك السيد عامر عبد الله عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي آنذاك، في مقال مطول عام 1967، معترفاً بأخطاء حزبه، حيث قال: "إن الوضع الثوري الذي تكوَّن في ربيع 1959، كان يمكن إستثماره لحمل قاسم على إنهاء فترة الإنتقال وإقامة الحياة الديمقراطية والمؤسسات الدستورية.. ودرء إنتكاسة الثورة.. غير إن ما فعلناه في الواقع هو تبديد طاقات ثورية هائلة في إستعراضات للقوى لا مبرر لها، وفي منازلات وتحديات مع قاسم والقوى الوطنية الأخرى، وفي التركيز على أهداف ثانوية، كالمطالبة بالإشتراك في الوزارة..الخ".(17)

دور الحزب في إنهيار الثورة
ومن كل ما تقدم، نستنتج أن الحزب الشيوعي العراقي قد ارتكب أخطاءً كبيرة، سواءً في سياساته ومواقفه من الأحزاب الأخرى، أو في مطالبته بالمشاركة في الحكم، أو في ترديده لبعض شعارات وهتافات إستفزازية هابطة مثل: (بسمك يا فهد يحكم المهداوي)، و(ماكو مهر بس ها الشهر)، وغيرها كثير، وإنزال بعض الأفكار في روع الناس مثل: (لولا الحزب الشيوعي لما كانت ثورة 14 تموز، ولولا فهد لما كان عبد الكريم قاسم). قد يقول البعض من المدافعين عن الحزب أن هذه الشعارات والأقوال هي ليست من سياسة الحزب، بل رفعت من قبل أناس مدسوسين اندسوا في صفوف الحزب لنشويه سمعته. قد يصح ذلك، ولكن في هذه الحالة، كان على قيادة الحزب إدانة هذه التصرفات فوراً لتبرئة حزبهم من التقولات والاتهامات والشعارات الهابطة التي أضرت به وبسمعته. على أية حال، ونتيجة لهذه الأعمال وغيرها نشأ جو من الرعب والهلع في القوى الأخرى في الداخل، ولدى حكومات الدول الإقليمية والعربية والغربية في الخارج. وحصل اعتقاد شبه جازم أن عبد الكريم قاسم هو شيوعي أو متعاون مع الشيوعيين، ويمهد لإعلان الحكم الشيوعي في أقرب فرصة.
وعلى ضوء ما سبق، أعتقد أن الحزب الشيوعي العراقي لعب دوراً كبيراً في تدمير الثورة بشكل مباشر أو غير مباشر. ففي تلك المرحلة التي كانت فيها الحرب الباردة على أشدها، ومنطقة الشرق الأوسط تمثل أخطر منطقة في الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، فكيف كان بإمكان الشيوعيين استلام السلطة في مثل هذه الأجواء المتوترة؟
إن توسع نفوذ الحزب الشيوعي، وتصاعد شعبيته، ومطالبته بالمشاركة في السلطة، والصراعات الدموية بينه وبين التيار القومي العروبي، ومن ثم مع الوطني الديمقراطي، والتجاوزات على الشخصيات الدينية مثل الإمام السيد محسن الحكيم، وترديد هتافات إستفزازية مثل (ماكو مهر بس هالشهر ونذب القاضي بالنهر)، وغيرها من الأعمال، قد أثارت الرعب والهلع، ليس في نفوس القوى المعادية للثورة التي تضررت منها من يومها الأول فحسب، بل وحتى في نفوس تلك القوى التي دعمت الثورة في البداية، وساندتها مثل الحوزات العلمية الدينية، والتيار الديني وحتى الوطني، ناهيك عن قوى التيار القومي وغيرها. نعم من الممكن أن كانت هناك عناصر معادية للحزب اندست في صفوف المتظاهرين وطرحت مثل هذه الشعارات ورددت هذه الهتافات الصبيانية، لذا كان على قيادة الحزب فرز هذه العناصر وفضحها وإدانتها والتبرؤ منها فوراً. ولكن الذي حصل هو الصمت إزاءها في اول الأمر، ولم يتم إدانتها إلا بعد فوات الأوان.
لقد بلغ عدد الجهات والقوى، الداخلية والخارجية التي تحالفت ضد الثورة أكثر من أربعين جهة، من عبدالناصر، وكميل شمعون، وشاه إيران إلى السيد محسن الحكيم، والشيخ محمد مهدي الخالصي، ومحمود الصواف وشيوخ الإقطاع، والأغوات، وتجار الشورجة وغيرهم، لا يجمعهم أي جامع سوى عدائهم للشيوعيين وعبدالكريم قاسم. وكان هؤلاء مرعوبين من الخطر الشيوعي خاصة، وقد أشيع أن العراق مقدم على حكم شيوعي لا محال. والعراق لم يكن بعد مهيئاً، لا إقتصادياً ولا طبقياً ولا اجتماعياً، لقبول نظام شيوعي أو حتى إشتراكي، إذ كانت البلاد مازالت تعيش مرحلة شبه إقطاعي، والطبقة البرجوازية كانت في مرحلة النمو والصعود، أما الطبقة العاملة فكانت ما تزال في مراحلها التكوينية. فليت شعري، كيف فكر الشيوعيون بتطبيق دكتاتورية الطبقة العاملة التي لم تكتمل معالمها، ناهيك عن النضج السياسي وهي مازالت في بداية الطريق؟
 إذاّ، لماذا طالب الشيوعيون باستلام السلطة، وهل كانت الظروف ناضجة والأوضاع الدولية ملائمة لحكم شيوعي في العراق، أو حتى إشراكهم في السلطة؟ وجهت هذا السؤال إلى الراحل صالح مهدي دكلة، فأجاب بأن نقص الخبرة والثقافة وغياب الوعي السياسي لدى قادة الحزب آنذاك كان وراء هذه الأخطاء.(18)
فرغم ما ذكرنا في بداية هذا الفصل أن أحد أسباب شعبية الحزب كان يكمن في اهتمام الحزب بالثقافة والمثقفين، إلا إن مسألة الثقافة هي نسبية. فالمستوى الثقافي للشعب عموماً آنذاك كان واطئاً جداً والشعب كان غارقاً في ظلام الجهل والأمية. ولم تكن الكتب ومصادر الثقافة متوفرة آنذاك. وحتى أغلب قادة الحزب لم ينالوا من الثقافة والخبرة السياسية لتجعلهم جديرين باحتلال مواقع قيادية خطيرة لكي يكونوا مؤهلين للحكم. وكما يسأل الدكتور عزيز الحاج، (عضو اللجنة المركزية وكادر إعلامي نشيط في الحزب آنذاك): "هل مجرد كوننا دخلنا السجون وعانينا من الإضطهاد، يكفي لإستلامنا السلطة؟". إذ قضى معظم كوادر الحزب سنوات طويلة في السجون ولم تتوفر لهم الفرصة لرفع مستواهم الفكري والثقافي، ناهيك عن عامة الشعب حيث كانت الأمية تصل إلى ما يقارب 80%.
كما وسألت الدكتور الحاج عن المستوى الثقافي لكوادر الحزب وقيادته في الفترة قبل ثورة 14 تموز فأجاب مشكوراً بما يلي:
" صحيح إن الحزب اهتم كثيراً بدور المثقفين في الحركة الوطنية الديمقراطية، ولكنه في داخل الحزب كان يميز بين الحزبي المثقف وبين الحزبي العامل والفلاح الكادح. والدليل هو تمايز فترة الترشيح بين الفريقين، إذ أن مدة ترشيح المثقف أطول. كما إن تحامل فهد باستمرار على المعارضة الداخلية لأن أقطابها مثقفون، واتهامهم بكل التهم لمجرد المطالبة بالديمقراطية الداخلية، وبفتح النقاش الداخلي مظهر لتأثره بالستالينية التي كانت تشكك بالمثقفين وتضطهدهم. وكان فهد حريصاً على الطاعة المطلقة، ولا يرتاح للمساءلة والرأي الآخر. وطبعاً كان للظروف السياسية الخانقة دورها في ترسيخ تلك الروح. وأذكر أنه منذ سنة 1949 انتشر في الحزب (أي بعد فهد)، تشكيك بالمثقفين الحزبيين، وكثيراً ما جرى تقديم عمال بلا مستوى ثقافي على حساب المثقفين تحت شعار "تحسين التركيب الطبقي". لم يكن فهد من المنظرين للماركسية، بل كان سياسياً على صلة بمطالب الشعب وخصوصيات المجتمع، وكان رجل عمل ونضال، وثقافته كانت لينينية ستالينية أكثر من ماركسية متعمقة. وكان ذوو المستويات الثقافية العالية، الماركسية والعامة، في الحزب أقلية نادرة ولم تصدر الحركة الشيوعية أبحاثاً ماركسية متعمقة وتحليلية عن المجتمع العراقي إلا بنسبة محدودة لا تناسب عمر الحركة ونضالاتها وأمجادها العملية".(19)
والعراق معروف بثرواته النفطية ومحط أطماع الدول الغربية، ويمثل أهم موقع جيوسياسي في الشرق الأوسط. وكذلك معروف بتاريخه الإسلامي، ومراقد الأئمة الأطهار من جميع المذاهب، وموطن ظهور المدارس الفكرية والمذاهب الإسلامية فيه، فهل يصح أن يسكت العالم الغربي، وقادة الحركة القومية العربية، والدول العربية والإسلامية والإقليمية الأخرى، و رجال الدين في الداخل عن قيام نظام شيوعي في مثل هذا البلد أو حتى مشاركة الحزب في السلطة؟
كما وقد بحثت هذا الموضوع مع عدد من كوادر الشيوعيين آذاك، ومنهم الدكتور حسين الوردي والدكتور عزيز الحاج، فأكدا لي، أنه كان من حسن حظ الحزب الشيوعي العراقي عدم إستلامه للسلطة. ولو كان الحزب قد استلم الحكم آنذاك، لأضطر أن يضطهد معارضيه وبالتالي عموم الشعب بنفس الأساليب التي طبقها حزب البعث لاحقاً من أجل البقاء في السلطة، ولحصل في العراق في ذلك الوقت تماماً ما حصل في أفغانستان فيما بعد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
7- د.علي كيم سعيد، عراق 8 شباط، درا الكنوز الأدبية، بيروت، 1999، مقابلة مع محمد حديد في لندن عام 1998، ص111).
8-د.علي كيم سعيد، المصدر السابق ص111
9- د.علي كريم سعيد، المصدر السابق، مقابلة مع يونس الطائي في دمشق عام 1995، ص185.
10- رفعة الجادرجي، صورة أب، مؤسسة الأبحاث العربية ش.م.م. ط1، 1985.
11- رفعة الجادرجي، نفس المصدر، 167
12- أضواء على الحركة الشيوعية في العراق، سمير عبدالكريم، ج2 ص 122-123، عن جريدة إتحاد الشعب، في 5/8/1959.
13- د.ليث الزبيدي، المصدر السابق، ص488، عن خطب الزعيم، ج2، 1959/ ص 42-47.
14- ليث الزبيدي، المصدر السابق، ص 489 نقلاً عن صحيفة إتحاد الشعب، العدد 163، 5 آب 1959..
15- سمير عبد الكريم،نفس المصدر، ج2 ص176-177).
16- ليث الزبيدي، المصدر السابق، ص489.
17- راجع نجم محمود: المصدر السابق، ص442.).
18- لقاء شخصي مع الراحل صالح دكلة عام 1995.
19-  رسالة الدكتور عزيز الحاج للمؤلف بتاريخ 9/1/2002.


1482 عدد مرات القراءه

 
آخر مقالاتي
العراقيون ولاؤهم لمن؟ ولماذا؟
أرسل لي صديق أكاديمي، وهو عالم لامع، وأستاذ في إحدى الجامعات الإنكليزية العريقة، ومهتم بالشأن العراقي، ومتابع لحيثياته، تعقيباً على مقالي الموسوم: (هل حقاً كان العهد الملكي ديمقراطياً، واعداً ومستقراً؟)(1)، ونظراً لأهميته، أنقله كاملاً: المزيد
غاليري الصور
 
جميع الحقوق محفوظة للدكتور عبدالخالق حسين ©
Powered & Developed by: TRE-CMS - The Red Elephant Content Management System The Red Elephant