إبحث في الموقع  
الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين
 

حوادث العنف في عهد الثورة

أرسل إلى صديق ارسل لصديقك نسخة للطباعة اطبع


الفصل التاسع

حوادث العنف في عهد الثورة

يركز أغلب نقاد ثورة 14 تموز، وحتى الذين دعوا لها وآزروها، في انتقاداتهم على ما حصل بعدها من حوادث عنف ومضاعفات وأعمال غير قانونية ويلقون عليها وعلى قيادتها باللائمة، دون أن يذكروا أي شيء عن الأسباب التي دعت للثورة، ولم ينتقدوا الأوضاع السيئة والمظالم والإنتهاكات التي مارستها السلطات الملكية من تجاوزات على الدستور والحقوق، والتي أدت إلى اندلاع هذه الثورة، متناسين في الوقت ذاته أن بعد كل تحول جذري كثورة 14 تموز، لا بد من ظهور عنف تمارسه الفئات الاجتماعية المتضررة من فعل التغيير نفسه للدفاع عن منظومة مصالحهم، ومراكزهم الاجتماعية، والاقتصادية، والنفوذ السياسي، وما يرافق ذلك من ردود أفعال عنيفة من قبل الجماهير.
والسؤال المهم هو: من المسئول عن الحوادث المؤسفة التي وقعت في عهد ثورة 14 تموز بما فيها مجازر الموصل وكركوك البشعتين؟ إن الظروف الموضوعية التي جعلت الثورة حتمية، هي ذاتها تجعل أعمال العنف والشغب خلال أية ثورة حتمية أيضاً، ولا بد منها، إذ ليست هناك أية ثورة في التاريخ خلت من حوادث العنف، وهذا ليس تبريراً لما حصل بقدر ما هو محاولة لتفسير الظاهرة. ففي جميع الثورات هناك مكان للمجرمين والانتهازيين أيضاً يرتكبون الجرائم باسمها. فالثورة وكما وصفها لينين أنها (مهرجان المضطهدين)، والوسيلة الوحيدة لمنع العنف المصاحب للثورة هي منع حصول الظروف الموضوعية التي تؤدي إلى تفجير الثورات، أي السماح للتطور الطبيعي التدريجي وبذلك تنتفي الحاجة للثورة والقفزة في التحولات الثورية التي تكون عادة مصحوبة بالعنف. وهكذا، فكل شيء مرتبط بما قبله وناتج عنه. على إن هناك أعمال جماهيرية عفوية خارج سيطرة قادة الثورة وخاصة في أيامها الأولى.

يذكر الدكتور ليث عبدالحسن الزبيدي بهذا الخصوص، في أطروحته الجامعية: " أما ما وقع في صباح 14 تموز 1958 من حوادث عنف، فنجم عن حقيقة واقعة وهي أنها كانت تفجراً ثورياً اجتماعياً شاملاً، يتشابه إلى حد كبير مع ما وقع في باريس يوم الباستيل في الثورة الفرنسية. فقد اندفع من أحياء بغداد الفقيرة ومن صرائفها الألوف من الناقمين على الإرهاب والطغيان يدفعهم الحماس والغليان العاطفي، يجوبون الشوارع كالحمم البركانية تجرف كل ما أمامها. إن ظاهرة السحل التي حدثت في صباح 14 تموز 1958 لم تكن غريبة عن معظم الثورات التي حدثت في العالم، فلقد تم سحل رجال الإقطاع والرجعيين إبان الثورة الفرنسية كما تم إعدام وشنق زمرة الدكتاتور باتيستا في كوبا إبان ثورتها عام 1959.
وقد بلغ عدد القتلى يوم 14 تموز في العراق نحو ثلاثين قتيلاً من ضمنهم أفراد العائلة المالكة ونوري سعيد وولده صباح، كما فيهم إثنان من وزراء الأردن، وإثنان من الأمريكان، وإثنان من الألمان وإنكليزي واحد.(1)

وهذا ليس تبريراً لما حصل من أعمال عنف، ولا دعوة لها كما ذكرنا آنفاً، ولكن لمجرد التنبيه إلى أن "الظلم لو دام دمر، يحرق اليابس والأخضر" كما يقول المثل العراقي.
أما ما حصل في عهد الثورة من صراعات دموية بين مختلف فئات الشعب السياسية ومناطق العراق، وبالأخص أحداث الموصل وكركوك، فكان موضع بحوث ودراسات أكاديمية تناولها عدد من الباحثين مثل علي الوردي، وحنا بطاطو، وليث الزبيدي، وحسن العلوي، وعلي كريم سعيد وغيرهم كثيرون. كل هؤلاء برئوا ساحة عبدالكريم قاسم وقيادة الثورة من تلك الأعمال.
نعم، كانت المصادمات حتمية نتيجة لتراكمات المظالم والتناقضات الكبيرة والأحقاد الدفينة بين مكونات المجتمع العراقي في الماضي والتي كانت تحاول الإنفجار بين حين وآخر، ولكنها كانت تقمع بالقوة من قبل السلطات الحاكمة قبل الثورة وعلى مر العهود. في الحقيقة كانت هناك حوادث عنف في العهد الملكي والعهود السابقة تتفجر بين حين وآخر وبمختلف الأشكال، مظاهرات، انتفاضات، تمردات عشائرية مسلحة، أو حركات قومية مثل حركات البارزانيين، والآشوريين، والعشائر العربية في الوسط والجنوب، وكانت تقمع بالنار والحديد من قبل القوات الحكومية المسلحة وأحياناً بالطائرات الحربية. لذلك فما حصل بعد الثورة من حوادث عنف كان امتداداً للماضي، وتحت مختلف الذرائع و لا بد منه.
لقد أخذت الصراعات الدموية بعد الثورة طابعاً جديداً، فوقعت هذه المرة تحت واجهة الصراع بين الأحزاب السياسية ذاتها التي كانت تشكل جبهة الاتحاد الوطني، المعترضة لحكومات العهد الملكي والتي نسقت مع الجيش في تفجير الثورة. وبدأ الصراع على شكل احتراب بين الحزب الشيوعي والتيار القومي العربي في عموم العراق، أو بين شيوعيين والأكراد من جهة، والتركمان من جهة أخرى كما في أحداث كركوك.
لا يمكن لأي باحث في الشأن العراقي أن يستغني عن كتاب الباحث الأكاديمي القدير الأستاذ حنا بطاطو، الموسوم (تاريخ الطبقات الإجتماعية والحركات الثورية في العراق). لقد قام هذا الأكاديمي ببحث ميداني لدراسة أحداث الموصل وكركوك دراسة أكاديمية وميدانية محايدة، وبشكل مفصل ومزود بالخرائط والأرقام والجداول، وأجرى مقابلات مع العشرات من شهود عيان والمتورطين بها. والنتائج التي توصل إليها هي أن هذه الصراعات الدموية المؤسفة كانت نتيجة أحقاد دفينة قديمة عبر قرون بين الفئات المتصارعة، لأسباب أثنية (كرد- تركمان) وطبقية (فقراء وأغنياء، فلاحين وإقطاعيين). لذلك أشير على كل من يريد أن يكون موضوعياً وبعيداً عن العواطف عند تناوله هذا الموضوع الخطير، أن يرجع إلى هذا الكتاب. وقد أيد هذا الإستنتاج كثيرون، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، السيد طارق الخزاعي (وهو من التيار القومي العربي)، في مقالة له نشرت في صحيفة الزمان، يؤكد فيها أن حوادث العنف التي وقعت في كركوك كانت نتيجة "حقد دفين بين الأكراد والتركمان الذين يتقاسمون المحافظة حيث كانت الكفة الراجحة بجانب الأكراد الذين استغلوا مظلة السلطة العسكرية وقاموا بمذابح يندى لها الجبين.".(2)
وكان الزعيم عبدالكريم قاسم قد أدان تلك الأعمال الوحشية في خطابه في كنيسة مار يوسف، الذي جاء فيه: "أما ما حدث أخيراً في كركوك فإنني أشجبه شجباً تاماً، وبإستطاعتنا أيها الإخوان أن نسحق كل من يتصدى لأبناء شعبنا بأعمال فوضوية نتيجة للحزازات والأحقاد والتعصب الأعمى". كما وقال في مكان آخر: "إنني سوف أحاسب حساباً عسيراً أولئك الذين اعتدوا على حرية الشعب في كركوك بصورة خاصة وفي المدن الأخرى والقرى والأرياف"(3). وقد جئنا على هذا الموضوع في الفصل الخاص بالحزب الشيوعي.

تهمة تدمير القيم الإجتماعية والإخلاقية في العراق
يقول البعض إن الحزب الشيوعي قام بعد الثورة بتحريض الفلاح ضد مالك الأرض، والجندي ضد الضابط مما أدى إلى تدمير القيم الإخلاقية والإجتماعية في العراق أيام الثورة!! إن المطلع على أوضاع الفلاحين والجنود في العهد الملكي يعرف أن هؤلاء لم يكونوا بحاجة إلى من يحرضهم، لأنهم كانوا مليئين بالحقد والسخط على رؤسائهم بسبب أوضاعهم المزرية قبل الثورة، فوجدوا في الثورة فرصتهم، ومتنفساً للتعبير عن سخطهم ضد من أضطهدهم. فملايين الفلاحين من سكان الأرياف قد تركوا مزارعهم وهاجروا إلى المدن بسبب ظلم الإقطاع، وهذا معروف لدا القاصي والداني، وقد جئنا على ذكره في فصل سابق.

أما العلاقة بين الضابط والجندي فكانت رهيبة. إذ كان الجلد عقاباً مصادقاً عليه في الجيش. يصف الدكتور ساندرسون باشا (طبيب العائلة المالكة)، إحدى عمليات الجلد التي كانت تفرض على الجنود العراقيين:
"تمت عملية الجلد بالسوط وسط ساحة مثلثة الشكل محاطة بالقوات شدت ذراعا الجندي المجلود وساقاه إلى إطار خشبي ثقيل أشبه بالحرف الإنكليزي (ْْX)، وراحت الضربات تهوي علي ظهره العاري بدقة رتيبة وببطء حتى تجاوزت الإثنتي عشرة ضربة بمقدار، وإلى تهرش جلده، وامتزج بعضه ببعض، وتهاوى ساقطاً على الأرض. ثم إطلاق سراحه بعد أن حضر الطبيب العسكري، وأعيد إلى المعسكر في إحدى سيارات الإسعاف"(4)
وبعد هذا النوع من المعاملة والعلاقة بين الضابط والجندي، هل يحتاج هذا الجندي إلى تحريض من الشيوعيين لتفجير نقمته ضد ضباطه عندما تسنح له الفرصة وقد وجد فرصته في الثورة للتعبير عن سخطه وغضبه المتراكمين. فإلى أين ستقود علاقة كهذه كلاً من الشعب إزاء سلطته، والجنود إزاء ضباطهم؟ لذالك فقد أصدرت قيادة ثورة 14 تموز أوامر بمنع إهانة الجندي وضربه واستغلاله للخدمة في بيوت الضباط، وأكدت على احترامه، كما وأكدت على الجندي الالتزام بالضبط العسكري واحترام الضابط.
خلاصة القول، نعم حصلت بعض التجاوزات في البداية ولكن تم احتوائها.

إعدام عدد من الضباط القوميين:
لم يكن قاسم دموياً كما يعترف بذلك الخصوم قبل الأصدقاء. وقد أعدم قاسم عدداً من الضباط القوميين وهو متألماً بعد أن تآمروا عليه، وتوسل إليهم أن يقولوا الحقيقة في المحكمة ويخرجوا أحراراً ويعودوا أصدقاءً، فرفضوا. وكان الإعلام المصري يحرض قاسماً على إعدامهم ويعتبرهم خونة لعدم نصرتهم للشواف، ويصف قاسماً بالجبن إن امتنع عن إعدامهم. (راجع مذكرات أكرم الحوراني).
ولما جاء رفاقهم البعثيون إلى السلطة، لم يكتفوا بإعدام بقية الضباط القوميين فحسب، بل حاولوا أيضاً تلويث سمعتهم السياسية والاجتماعية وإلصاق تهمة العمالة للمخابرات الأجنبية بهم، كما في حالة مدحت الحاج سري ورشيد مصلح، أو بقضايا إخلاقية في حالة عبد الكريم مصطفى نصرت.

الأعمال والشعارات الغوغائية
إن الشعارات الصبيانية والهتافات التي رددها البعض، طبعاً موضع إدانة واستهجان. ولكن في نفس الوقت يجب أن نعرف أن هذه الشعارات هي أعراض وعلامات لأمراض اجتماعية نتيجة تخلف مرحلة تاريخية معينة. ويذكر الأستاذ حسن العلوي (وهو بعثي سابق)، أن خصوم الشيوعيين من البعثيين قد ساهموا مساهمة فعالة في بث الإشاعات ونشر شعارات وهتافات غوغائية، وتمزيق القرآن من أجل توجيه التهم وإلصاقها بخصومهم الشيوعيين وحبسهم من قبل محكمة شمس الدين عبد الله. وفعلاً حققوا نجاحات باهرة في هذا المضمار.(5)
كبة موسكو: وعلى سبيل المثال لا الحصر أذكر قصة مضحكة مبكية رواها الأستاذ حسن العلوي فيقول: "البعثيون يتقمصون سلوك الشيوعيين في تشويه سمعة الشيوعيين، كبة حلب أَم كبة موسكو!! حدث في تلك الفترة، وكانت مجاميع من أنصار الحكومة تحكم سيطرتها على الشارع. فدخلنا مطعم تاجران في الباب الشرقي، بعد أن تسلحنا بوضع حمامات السلام على صدورنا والتي كانت تباع على قارعة الطريق، حتى إذا أخذنا مكاننا على مائدة وسط الصالة، وحضر العامل لإستطلاع رغباتنا، بادره أحدنا، حميد رجب الحمداني.. جيب كبة موسكو… فاعتدل العامل بدهشة.. متأسفين لا توجد مثل هذه الكبة. فاصطنع حميد الإنفعال وعلا صوته.. لماذا يا ناس، كبة موسكو لا توجد؟ ماذا عندكم يا متآمرين. هنا حضر صاحب المطعم وقد تدلى كرشه إلى الأمام وهو يعتذر بخوف وانتهازية عن التقصير قائلاً: هل تسمحون بوصف هذه الكبة حتى أحضرها لكم غداً؟ قال حميد.. هات قائمة المأكولات .. وأشار بإصبعه إليها قائلاً هل فهمتم؟ هذه التي كان أعداء الجمهورية والزعيم يسمونها كبة حلب. ولم يكن من صاحب المطعم إلا أن يبادر على الفور لشطب حلب وكتابة الإسم الجديد."(6)

مسؤولية عبد الكريم قاسم
نعم كان قاسم قد وضع نفسه في موقع المسؤولية أو وضعته الأحداث والأقدار في ذلك الموقع.
كان قاسم، وحتى بشهادة خصومه، رجلاً مسالماً إلى أبعد الحدود، وهو الذي بشر بمبادئ التسامح وصاحب المقولات: "عفا الله عما سلف"، و"الرحمة فوق القانون". وقد عفا حتى عن الذين أدينوا بمحاولة إغتياله. ولماذا نلومه هو عندما كانت الجماهير تهتف: "إعدم.. إعدم.." بينما صرخ هو بوجوههم غاضباً: "اطلبوا أي شيء إلا هذا.. اطلبوا مني بناء المستشفيات والمدارس..الخ". وهناك أمثلة لا تحصى على تسامحه وحبه للشعب. ولكن الفوضى التي خلقتها القوى السياسية كانت فوق طاقة أي قائد سياسي.
ويشهد بتسامحه حتى خصومه من البعثيين والقوميين، وكذلك رجال العهد الملكي مثل رئيس الوزراء الأسبق في العهد الملكي، المرحوم أحمد مختار بابان في مذكراته، يصفونه بالإنسان المسالم المحب للخير والوطن. وقد وضعته الأحداث في موقع المسئولية الكبرى في أشد مراحل التاريخ عنفاً وغلياناً. بل هناك كثيرون يعتبرون تسامح عبدالكريم قاسم مع خصومه هو سبب سقوط الثورة واغتيالها. أراد قاسم أن يأتي بسابقة تاريخية، وهي نشر روح التسامح في مجتمع جُبل على العنف منذ قديم الزمان، والذي صار جزءً مهماً من ثقافته الاجتماعية.

مقتل العائلة المالكة
تناول عدد من الباحثين هذا الموضوع لأهميته. ويؤكد أغلب هؤلاء أن مقتل العائلة المالكة لم يكن من قرارات اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار، التي خططت للثورة ووضعت أهدافها. وكان الاتفاق هو الحفاظ على حياة العائلة المالكة، ومن ثم ترحيلها إلى الخارج، بالضبط كما عاملت الثورة المصرية الملك فاروق وعائلته. وآخر شهادة بهذا الخصوص جاءت من أحد أعضاء اللجنة العليا للضباط الأحرار، ألا وهو الرئيس الأسبق الفريق عبدالرحمن محمد عارف في مذكراته التي قرر نشرها بعد وفاته، ولكنه يجيب في مقابلة صحفية على سؤال: من قتل العائلة المالكة؟ فيؤكد: ".. إن خطة الثورة لم تكن تهدف إلى قتل الأسرة الملكية الحاكمة، وهذا الأمر اتفق عليه عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف، وبُلغنا به نحن المكلفين من أعضاء التنظيم في وحدات بغداد العسكرية". ويقسم الرئيس الأسبق في مذكراته قائلاً: "والله ثم والله لم يكن الأمر كما حصل غير أن الذي حدث أن موقف آمر الحرس الملكي العقيد طه البامرني لم يكن واضحاً فقد كان يفاوض ضباط قوات الثورة لإستسلام العائلة المالكة بإرتباك ودون حسم، واعتقد ضباط الثورة أنه كان يحاول كسب الوقت. وفي تلك الإثناء خرج الملك والوصي وبقية العائلة المالكة فخروا صرعى نتيجة النيران الكثيفة. ".(7)
ويقول الباحث الدكتور ليث عبدالحسن الزبيدي عن المناوشات والرمي المتبادل بين حرس القصر الملكي والقوات المهاجمة في صبيحة يوم 14 تموز 1958:
" وإثناء سيرهم في حديقة القصر دخل النقيب عبد الستار سبع العبوسي من الباب الرئيسي حاملاً غدارته، فأطلق رصاصه على العائلة المالكة… كما جرح من الضباط الأحرار كل من النقيب حميد السراج، والنقيب مصطفى عبد الله.(8). أما سبب إطلاق الرصاص على العائلة المالكة فيذكر النقيب محمد علي السعيد بأن سبب ذلك كما شرحه لي النقيب العبوسي: " بأنه تذكر حوادث حركة مايس 1941 التحررية وما لاقاه الضباط الأحرار من إعدام وتنكيل فأراد أن لا تتكرر المأساة مرة أخرى ويعود عبد الإله ليشنق ضباط الثورة."(9)
كما وتذكر مصادر أخرى بأن النقيب العبوسي، عندما أطلق النار كان يتصور بأن الحرس الملكي هو الذي اعتقل الضباط الأحرار الذين دخلوا القصر، وأراد أن يحسم المسألة لصالح الثورة.(10)
والجدير بالذكر، أن النقيب العبوسي لم يكن من أعضاء اللجنة العليا لتنظيمات الضباط الأحرار، وبذلك نفهم أن قتل العائلة المالكة كان تصرف شخصي من النقيب العبوسي، ولم يتم بقرار من أي فرد من قيادة الثورة، وإنما كان خارجاً عن  إرادتها. كما وتذكر معظم المصادر إن الملك فيصل الثاني لم يفارق الحياة عندما أطلق النار على العائلة المالكة في القصر وإنما جرح جراحاً خطيرة نقل على أثرها إلى المستشفى الملكي (الجمهوري) وهناك تم الإعتناء به من الأطباء بتوصية خاصة من الزعيم الركن عبد الكريم قاسم ولكنه توفي بعد ذلك.(11)

من المسئول عن التمثيل بالجثث؟
بطبيعة الحال إن أية عملية غوغائية مخالفة للقانون مدانة إلى أبعد الحدود. ولكن يجب أن نكون منصفين، أن في حالة الثورة، يبقى المجتمع لفترة بلا قوانين، وقد حصلت هذه المأساة في جميع الثورات تقريباً كما ذكرنا أعلاه، وهناك أبرياء يذهبون ضحايا الفوضى كما حصل لمؤسس علم الكيمياء الحديث (لافوازيه) في الثورة الفرنسية حيث أعدم بالمقصلة عن طريق الخطأ!!
يحاول البعض تحميل الشيوعيين مسئولية السحل. ونحن هنا لا نريد الدفاع عن الشيوعيين فيما جرى خلال اليوم الأول والثاني من الثورة من أعمال العنف، ولكن هذا لا يمنع من ذكر بعض الحقائق التي لا يمكن نكرانها. إن عدد الشيوعيين في كل العراق لغاية يوم الثورة لم يتجاوز الأربعمائة عضو حسب دراسة قامت بها مديرية الأمن العامة في السبعينات، والأرقام مستخلصة من سجلات الأمن العراقي(12)، وكان أغلبهم في السجون. لذلك فتحميل الشيوعيين مسئولية التمثيل بجثة نوري السعيد وعبد الإله تهمة غير صحيحة. وما حصل في ذلك اليوم كان نتيجة انفجار غضب جماهيري عفوي ضد هذين الشخصين (عبدالإله ونوري السعيد). أما لماذا سيطر الشيوعيون على الشارع وكسبوا تلك الشعبية الواسعة فيما بعد، فالفضل يعود بالأساس إلى سياسة نوري السعيد، حيث شن حملة ظالمة ضدهم، وأعدم قيادة الحزب ونكَّل بأعضائه، وأسقط الجنسية عن بعضهم، الأمر الذي أعطى انطباعاً لدى الجماهير أن الشيوعيين هم أكثر الناس تعرضاً للظلم وبذلك كسبوا تعاطف الجماهير. وجئنا على هذا الموضوع في الفصل الخاص بموقف الشيوعيين من الثورة.

محكمة المهداوي
لقد قيل الكثير عن المحكمة العسكرية العليا الخاصة التي شكلتها حكومة الثورة والتي أطلق عليها بـ(محكمة الشعب). أما خصوم الثورة فيسمونها ب(محكمة المهداوي). أدعى البعض أن الزعيم عبد الكريم قاسم هو الذي عين العقيد فاضل عباس المهداوي رئيساً لهذه المحكمة لكونه إبن خالته، وهذا غير صحيح، لأن الذي رشح المهداوي لهذه المهمة هو العقيد الركن عبدالسلام محمد عارف، الشخص الثاني في قيادة الثورة بعد قاسم..
لا ندعي هنا أن هذه المحكمة كانت مثالية، ولكن الأمور يجب أن تقاس بظروفها وسياقها التاريخي. إذ كانت المرحلة ثورية غاضبة، وفي كل ثورة لا بد وأن تحصل تجاوزات وانتهاكات، وثورة تموز ليست باستثناء. ولكن في نفس الوقت يجب أن لا ننكر الحقيقة وهي أن هذه المحاكمات كانت تتم في منتهى الجرأة والشجاعة والعلنية إلى أبعد حد. فلأول مرة في تاريخ العراق تنقل وقائع محاكمات على الهواء (الإذاعة والتلفزيون)، نقلاً حياً مباشرً، وتنشرها الصحف الوطنية والعربية والعالمية. كما وطبعت وقائع جلساتها في 22 مجلداً تباع لحد الآن في المكتبات في العالم، وتعتبر مصدراً مهماً للباحثين في تلك الفترة من تاريخ العراق. كما لم يتعرض المتهمون إلى أي تعذيب لإرغامهم على الإعتراف بما لا يرغبون. لهم محامون يدافعون عنهم، إضافة إلى إن المتهمين حصلوا على فرصة نادرة في تاريخ العراق في الدفاع عن أنفسهم، وعلنا أحيانا من شاشة التلفزيون، بل إن الطبقجلي في دفاعه عن نفسه تمكن من كسب تعاطف قطاعات من الناس، وهذا طبيعي في ظروف محاكمة علنية فريدة من نوعها في تاريخ العراق حيث تستطيع أسرة المتهم رؤيته عبر الشاشة وهو يشرح ويدافع عن تهمته.
في هذه المحكمة استطاع أحد رجال العهد الملكي، وهو سعيد قزاز، أن يتحدى رئيس المحكمة، العقيد فاضل عباس المهداوي، ويطعن بالمحكمة وقراراتها بكل شجاعة. لم يحصل ذلك ما لم تكن المحكمة قد وفرت للمتهمين حرية الكلام والدفاع عن أنفسهم. نعم حصلت تجاوزات في هذه المحكمة لا يمكن التغاضي عنها حسب أصول المحاكمات القانونية مثل إلقاء القصائد ومشاركة الجمهور في الهتافات والتصفيق الخ. ولكن هذه التجاوزات لم تمنع المتهمين من ممارسة حقوقهم القانونية والدفاع عن أنفسهم كما ذكرنا أعلاه.
بينما لم نسمع أو نقرأ أي نقد إلى محكمة الإذاعة القرقوشية التي نصبها قادة الإنقلاب في 8 شباط 1963، أو محكمة علي وتوت، أو محكمة طه ياسين رمضان (طه الجزراوي)، وعلي باوي، وناظم كزار في حدائق القصر الجمهوري عام 1969 حيث حاكموا وأعدموا العشرات من الضباط والمدنين العراقيين في يوم واحد. نعم هناك صمت مطبق إزاء هذه الإنتهاكات الفظة التي ارتكبتها جميع المحاكم الأخرى خلال مختلف مراحل حكم القوميين العروبيين في العراق، والتي كانت تُجرى بعيداً عن أية علنية أو أصول قانونية.

مناقشة العنف السياسي بعد الثورة
إن العنف في عهد الثورة كان لا بد منه لثلاثة أسباب: أولا، حصول ثورة مسلحة، وثانياً، الجذور التاريخية للعنف في المجتمع العراقي القبلي. ثالثاً، تفشي آيديولوجيتين سياسيتين تؤمنان بالعنف.
إن الثورة المسلحة لا بد وإنها تواجه مقاومة من قبل أنصار العهد السابق رغم قلتهم، فمن الطبيعي أن يستخدم العنف للقضاء على المقاومة وقد جئنا على ذكر هذا في فصول سابقة. ومن المعروف أن المجتمع العراقي هو مجتمع قبلي في أغلبه، وكانت حوادث العنف مستمرة بشكل وآخر في كل مكان تقريباً وفي جميع مراحل تاريخه القديم والحديث. إلا إن هذا الصراع قد اتخذ بعد الثورة شكلاً متطوراً، وتحت إسم التيار القومي والشيوعي. بمعنى أن الآيديولوجيتين الشيوعية والقومية، كانتا تبرران استخدام العنف إزاء الخصوم وتسميانه بـ(العنف المقدس). لذلك ساهمت الآيديولوجية السياسية السائدة بدور فعال في تصعيد العنف الموجود أصلاً في المجتمع العراقي، أي أن الآيديولوجية أعطت زخماً للعنف المتأصل في المجتمع. فكل من الحزبين، الشيوعي والبعثي، كانا يشبهان سديمين مشحونين بطاقة عنفية هائلة متوجهين نحو الآخر، وبلغ هذا العنف ذروته يوم 8 شباط 1963 حيث أرتطم السديمان وتم تفجيرهما وإطلاق ما عندهما من الشحنات العنفية التدميرية، دفع المجتمع ومازال ثمن ذلك الصراع.
ولعل سلطة ثورة 14 تموز، كانت تمثل الجانب الأكثر تسامحاً في هذا الصراع حيث رفعت شعارات مثل: (فوق الميول والاتجاهات، وعفا الله عما سلف، والرحمة فوق القانون..الخ). ولكن مثل هذه السلطة وهذه الشعارات لا يمكن أن يكتب لها النجاح في مجتمع تأصل فيه العنف. وفي خضم تصاعد موجة العنف تلاشت الأحزاب المعتدلة مثل الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الإستقلال من حلبة الصراع، وخلت الساحة للحزبين المؤمنين بالعنف، البعث والشيوعي، يستقطبان الشباب المشحونين بالطاقات ليلعبوا دورهم في العمل السياسي العنيف.
نعم جاءت الآيديولوجيا تصعيداً للعنف في مجتمع مهيأ نفسياً لهذا العنف الذي أصبح جزءً من ثقافته الإجتماعية الموروثة وتاريخه وتراثه العشائري البدوي. وهذه التسمية (القومي والشيوعي) هي مجرد غطاء أو عنوان عصري لذلك الصراع الدامي. والدليل على قدم وحتمية حوادث العنف في العراق واشتعالها أيام ثورة 14 تموز، على شكل صراع محتدم بين الشيوعيين والقوميين، هو لما انحسر دور الشيوعيين وخرجوا من حلبة الصراع بعد انقلاب 8 شباط 1963، ليخلو المجال لفصائل التيار القومي وحدهم، حيث استمر الصراع ولكن في هذه المرة بين فصائل التيار القومي أنفسهم.
لقد فشلت "عروس الثورات" في 8 شباط 1963 كما كان يسميها أحمد حسن البكر، أن تعيد للشعب حكم القانون، وإقامة نظام ديمقراطي كما ادعوا في بيانهم الأول. إذ يعرف الجميع ما قام به الحرس القومي فيما بعد من انتهاكات للقانون (راجع الكتاب: المنحرفون). فما أن تفرغ القوميون والبعثيون من ذبح الشيوعيين بعد إنقلابهم في 8 شباط 1963، حتى وبدأ الصراع بين فصائل التيار القومي أنفسهم، فقام الضابط الطيار منذر الونداوي أحد فرسان الإنقلاب مثلاً، بقصف مقرات رفاقه البعثييين من الجو. ثم بدأت المعارك الدموية بين الحرس القومي والبعثيين من جهة، والقوميين الآخرين من أتباع عبد السلام عارف في إنقلاب 18 تشرين الثاني 1963 من جهة أخرى، وانتصر عليهم عارف وطردهم من الحكم.
وعندما استلم البعثيون السلطة للمرة الثانية في 1968، نصبوا المشانق في طول البلاد وعرضها، وأعدموا المئات من الشيوعيين والقوميين والأكراد والإسلاميين واليهود، بتهمة الجاسوسية والتآمر على السلطة وهي تهمة ملفقة، إلى أن لم يبق أحد من الخصوم، فوصل الدور إلى رفاقهم البعثيين، والحبل على الجرار، كما يقولون.
فمن السهولة إلقاء تبعية العنف الذي حصل في العراق بعد ثورة 14 تموز على الشيوعيين والقوميين والبعثيين وعبد الكريم قاسم. ولكن هذه التهمة ناتجة عن نظرة سطحية، وساذجة، وعدم المعرفة الكافية بطبيعة المجتمع العراقي. أعتقد من الضروري جداً لكل مهتم بالشأن العراقي، الرجوع إلى مؤلفات عالم الإجتماع الدكتور علي الوردي لفهم هذا المجتمع، وخاصة كتابه القيم (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي). وكذلك الدراسة القيمة التي نشرها الباحث باقر ياسين في كتابه الموسوم (تاريخ العنف السياسي الدموي في العراق).
هناك بعض الحقائق الأساسية التي يجب أن يتذكرها كل من يريد أن يتحدث عن العنف في العراق، ومن هذه الحقائق ما يلي:
أولا، إن المجتمع العراقي وكأي مجتمع عربي أو شرق أوسطي، قد تطور من البداوة أو تأثر بها، يحمل في ثقافته الإجتماعية (culture)، القيم البدوية والحضارية في آن. ومن هذه القيم "العصبية" التي تناولها مؤسس علم الإجتماع إبن خلدون، والتي كانت في الماضي على شكل عصبيات قبلية، ثم تحولت مع الزمن إلى عصبيات دينية ومذهبية ومناطقية ومحلية، وحالياً أخذت شكلاً يلائم العصر، أي شكل عصبيات حزبية وآيديولوجية ومهنية وغيرها.
ثانياً، إن الشعب العراقي، ونتيجة للمظالم التي تعرض لها عبر تاريخه الطويل، كان عبارة عن بركان خامد، ينتظر الفرصة المناسبة للإنفجار. ويقال أن نوري السعيد قد شبه العراق في وقته ببالوعة مجاري (septic tank) وأنه هو غطاؤها، محذراً من أنه إذا ما أزيح هذا الغطاء فسوف تنبعث الروائح النتنة وتظهر الجيفة لتزكم الأنوف!! أعتقد أن هذا التشبيه قاس على العراقيين ويلائم عقلية نوري السعيد وأنصاره، والتشبيه الصحيح هو أن العراق كان، وما يزال، عبارة عن بركان خامد، وكان نوري السعيد أخمده بالقمع، إلى أن حصل الإنفجار يوم 14 تموز 1958، لأنه لا يمكن للقمع أن يستمر إلى الأبد، فالضغط يولد الإنفجار. وثورة تموز كانت ذلك الإنفجار والتي أخرجت الجني من القمقم. (والجدير بالذكر أن هذا الانفجار حصل على شكل كارثة بعد سقوط نظام البعث الصدامي بشكل جارف لا نعرف متى يتوقف وأين سينتهي).
ثالثاً، إن تاريخ العراق مليء بالعنف والانتفاضات والثورات على الحكومات الظالمة منذ كتابة التاريخ ولحد الآن. وكذلك حروب محلية وقبلية وغيرها. هذه الحروب والصراعات قد اتخذت في القرن العشرين أشكالاً مختلفة، وتحت أسماء شتى، حروب بين قبيلة وأخرى، أو بين مدينة وأخرى، أو محلة ومحلة، وحتى بين الجنود والشرطة (أبو إسماعيل وأبو خليل!)، بل وحتى وبين المواكب الحسينية، والفرق الرياضية وهكذا. مثلاً في بداية القرن العشرين، حصلت معارك دامية بين المواكب الحسينية لمدينة الكاظمية ومواكب النجف في كربلاء ، لسبب تافه وقد قتل وجرح على أثرها العديد من الطرفين واستمرت الخصومات والثارات حتى وقت قريب!. وهذه الحوادث هي امتداد للصراعات القبلية ونتاج لقيم البداوة.

لذلك لا نغالي إذا قلنا أن ما حصل بعد ثورة 14 تموز من صراعات دموية بين الشيوعين والقوميين، إلا واحدة من تلك "الحروب" التي كانت تقع بين القبائل العربية، مثل حرب "داحس والغبراء" بين بني عبس وبني ذبيان، وحرب البسوس بين بني تغلب وبني بكر التي أبلى فيها عنتر بن شداد بلاءً حسناً! واستمرت أربعين عاماً، بسبب ناقة.
فالمبادئ والآيديولوجيات السياسية في وقتنا الحاضر، والتي استوردها العراقيون من الخارج لأحزابهم كانت تنشيطاً وتفعيلاً للعنف الموجود في المجتمع مسبقاً، وأحلوا "العصبية الآيديولوجية والحزبية" محل "العصبية القبلية". فالقشرة الخارجية حضارية (شيوعية-قومية- دينية) ولكن يختبئ تحت تلك القشرة الخفيفة ذلك الإنسان البدوي بكل قيمه وأعرافه القبلية، متهيئاً للقتال والثأر والإنتقام في أي وقت، ولكن في هذه المرة بإسم الوطنية، والقومية، والأيديولوجية. لقد اعتنق الحزبيون الآيديولوجيات الحديثة، إلا إنهم في قرارة نفوسهم كانوا بدواً، ومارسوها كممارستهم للقيم البدوية على طريقة القبلية الجاهلية الأولى في غزواتهم. لذلك نؤكد مرة أخرى، إن أعمال العنف بعد ثورة تموز كانت أشبه بتلك الحروب التي دارت رحاها بين القبائل البدوية ولكنها كانت تحدث بقوالب الحداثة، فتقع في المدن بدلاً من الصحراء، وتحت شعارات أيديولوجية حديثة، وحضارية وأسباب سياسية بدلاً من قتل ناقة! ومقالات تحريضية نارية في الصحف والإذاعات، بدلاً من المعلقات. فكما يقول نزار قباني: "لبسنا ثوب الحضارة والروح جاهلية".
ولو ذهبنا إلى أبعد من ذلك، نرى حتى الأخوة الأكراد، قد اكتسبوا هذه العصبية القبلية، لأنهم مثل أخوتهم العرب، مجتمع عشائري يحمل نفس القيم العشائرية والعصبية القبلية. فبعد أن تحرروا من سيطرة حكم صدام حسين بعد انتفاضة آذار 1991، وفرض الحماية الدولية للملاذ الآمن، ولم يكن من ينافسهم على الحكم في كردستان، انفجر الصراع الدموي عام 1996 بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، الديمقراطي الكردستاني بزعامة السيد مسعود بارزاني، والحزب الإتحاد الوطني الكردستاني بزعامة السيد جلال طالباني، وذهبت أرواح كثيرة ضحية لذلك. فهل نتهم الشيوعيين وعبد الكريم قاسم في كل هذه الصراعات الدموية؟
أكاد أجزم، أنه لو لم يكن هناك حزب شيوعي وقومي في العراق أيام ثورة 14 تموز، لحصل نفس الصراع بين فئتين أخريين ولكن تحت أسماء وشعارات أخرى. ولو كان الشيوعيون وحدهم في الساحة، لانقسموا إلى شقين وأباد أحدهما الآخر كما حصل في اليمن الجنوبية (الديمقراطية الشعبية) أيام حكم الماركسيين. ولو كان القوميون وحدهم بعد تموز، لحصل اقتتال فيما بينهم كما حصل بعد إنقلاب 8 شباط وما تلاه. لأن الإنشقاق لا بد منه في المجتمعات التي تمر في مرحلة الإنعطافات التاريخية الكبرى مثل الثورات. وكما ذكرنا، فأي مجتمع حيوي ديناميكي في حالة تطور سريع ومفاجئ، لا بد وأن ينقسم على نفسه إلى قسمين، مؤيد ومعارض للتحولات. ويحصل هذا الصراع بطريقة سلمية هادئة في المجتمعات الديمقراطية المتقدمة الناضجة، وبالعنف الدموي في المجتمعات المتخلفة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر

1- د.ليث عبدالحسن الزبيدي، المصدر السابق  ص233، مقتبس من كتاب عبد الجبار الجومرد، تاريخ حياتي، 110-171، مخطوطة غير منشورة.
2- 2- طارق الخزاعي، الزمان، يوم 4/8/2000 ص6.
3- د. ليث الزبيدي، المصدر السابق، ص 488 ، عن كتاب خطب الزعيم، ج2، 1959/ ص 42-47.
4- د.سندرسن باشا، المذكرات ترجمة سليم طه التكريتي. ص179.
5- حسن العلوي، عبد الكريم قاسم.. رؤية بعد العشرين، ص57.
6- حسن العلوي، نفس المصدر، ص 57.
7- جريدة (القمة) العدد الخامس الصادر يوم 20/1/2001.
8- مخطوطة، العقيد طه بامرني- نشرت مؤخراً في صحيفة المؤتمر اللندنية العدد 266 الصادر يوم 11/8/2001.
9- د. ليث عبدالحسن الزبيدي، المصدر السابق، مقابلة شخصية مع العميد الركن المتقاعد محمد علي سعيد. ص 210..
10- د.ليث الزبيدي، المصدر السابق، مقابلة مع رجب عبد المجيد، ص210.
11- د.ليث عبدالحسن الزبيدي، المصدر السابق، مقابلة شخصية مع العقيد شمس الدين عبد الله ص211.
12- سمير عبدالكريم، أضواء على الحركة الشيوعية في العراق، نشر في السبعبنات دون تاريخ أوذكر دار النشر.

 


1155 عدد مرات القراءه

 
آخر مقالاتي
داعش تفجر جامع النوري في الموصل
  أقدمت القوى الظلامية البعثية الداعشية على جريمة أخرى تضاف إلى القائمة الطويلة من جرائمها بحق الشعب العراقي والإنسانية، والرموز التاريخية والمعالم الحضارية. وآخر جريمة قام بها تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش)، هي جريمة المزيد
غاليري الصور
 
جميع الحقوق محفوظة للدكتور عبدالخالق حسين ©
Powered & Developed by: TRE-CMS - The Red Elephant Content Management System The Red Elephant