إبحث في الموقع  
الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين
 

شخصية الزعيم عبد الكريم قاسم(2-2)

أرسل إلى صديق ارسل لصديقك نسخة للطباعة اطبع


الفصل الحادي عشر(2)

شخصية الزعيم عبد الكريم قاسم(2-2)

ثقافة قاسم
لم يتعرض كاتب سياسي، أو ناقد إلى ثقافة أي حاكم، سواء في العراق، أو في البلاد العربية، بمثلما تعرضوا إلى ثقافة عبدالكريم قاسم. فهؤلاء النقاد فشلوا في الطعن بوطنية قاسم وإخلاصه ونزاهته وحبه للشعب والوطن، ثم حاولوا الطعن في عروبته وإخلاصه للأمة العربية ووصموه بالشعوبية، ولما فشلوا في إثبات أي من هذه التهم، لم يبق أمامهم سوى اللجوء إلى الطعن بثقافته. فهل حقاً كان قاسم غير مثقف؟
يؤكد الأستاذ حسن العلوي الذي كان يسكن مجاوراً لبيت الزعيم، عندما كان تلميذاً في المدرسة، فيقول: "كثيراً ما أسررت لأم حامد (أم عبدالكريم قاسم)، رغبتي بإستعارة كتاب…من خزانة قاسم فصحبتني إلى غرفته لأنتقي أحد الكتب، وهي حافلة بكتب الجغرافيا والتاريخ واللغة والأدب مع مجموعة من الكتب الأجنبية. وكنت كلما فتحت كتاباً وجدتُ الخطوط بالقلم وقد سودت ما بين السطور، فأريها ذلك كي لا تتهمني بالعبث بالكتب، فتولول قائلة (هذه عادة عبدالكريم). وقد أثار انتباهي كثرة قراءاته النحوية. وكنت بعد أن أخذ مكانه في زعامة العراق، وصرت صحفياً ومدرساً للغة العربية، أتابع باهتمام - وكأي معلم- جملة إعرابية. فأشعر بارتياح لأنه لا يلحن باللغة العربية فأعود بذاكرتي إلى تلك الخطوط مرة أخرى."(16)
ولكن مع ذلك يصر هؤلاء على أن عبد الكريم "غير مثقف". فما المقصود بالثقافة في هذه الحالة. فالرجل خريج الكلية العسكرية، وكلية الأركان العراقيتين، وسانت هيرز البريطانية. وكان يقرأ الكتب الأدبية والتاريخية وغيرها، وقارئ للصحف البريطانية. وكان يقرأ الصحف الوطنية وخاصة صحيفة الأهالي حتى اعتبر نفسه تلميذاً لجماعة الأهالي ومؤمنا بمبادئها كما هو معروف. ويقول وزير خارجيته هاشم جواد، أنه كان يقرأ الكتب عندما يذهب لبيته أيام الجمعة.
نعم، لم يكن قاسم متأدلجاً في ثقافته. بمعنى لم تكن ثقافته تحمل لآيديولوجية شيوعية، أو بعثية عروبية. وفي رأيي هذه من الصفات الحميدة في السياسي في بلد متعدد الاتجاهات الفكرية والقومية والدينية والمذهبية كالعراق. فالآيديولوجية السياسية هي قوالب فكرية جامدة عصية على التغير، تفرض على المؤدلج تطبيقها بغض النظر عن ملاءمتها للواقع، أي فرضها على الواقع بالقوة في حياة متحركة أبداً، وظروف متغيرة باستمرار. وهذا الجمود العقائدي غير صحيح في عالم متغيِّر باطراد. وقد أثبت الزمن صحة مواقف قاسم. ومن سوء الحظ أن قاسم جاء في وقت كان فيه التنافس والتصارع الآيديولوجي على أشده إلى حد الصراع الدموي، ولم يكن فيه مكان لخط الوسطية والإعتدال والعقلانية. فأراد قاسم أن يكون للجميع حسب شعاره الذي رفعه منذ البداية: "فوق الميول والاتجاهات". وقد أدركنا الآن أن فكرة قاسم كانت صحيحة وبذلك فكان قاسم الرجل المناسب لوقت غير مناسب، لم يعرفوا قدره إلا بعد فوات الأوان.
أما إذا كان المقصود بالمثقف بأن نقارن ثقافة قاسم ببرتراند راسل، أو جان بول سارتر، أو روجيه غارودي وغيرهم من محترفي الثقافة، نعم فثقافة عبد الكريم قاسم دون ثقافة هؤلاء بكثير لأنه لم يكن فيلسوفاً وربما هذه الصفة في صالح الشعب. إذ كما يقول علي الوردي، وأنقل من الذاكرة، (ليس من صالح الشعب أن يصير الفيلسوف حاكماً، كما طالب به إفلاطون، لأن الحاكم الفيلسوف يحمِّل شعبه فوق طاقته.) ولكن لو قارنا ثقافة قاسم بمن حكم العراق من قبله ومن بعده لتبيَّن لنا أنه كان أثقفهم.
إذ كما قال الدكتور علاء الدين الظاهر: "فتقافة الملك فيصل الأول عثمانية، وثقافة ابنه غازي شبه معدومة، وعبدالإله لم ينه الدراسة الثانوية. وثقافة نوري السعيد، كمعظم السياسيين الملكيين، عسكرية عثمانية. والرجل عاش ومات من دون أن نعرف هل نجح أو فشل في دورة الأركان العثمانية. وثقافة عبد السلام عارف لا تستحق الذكر، وثقافة أخيه عبدالرحمن أقل منها كما هي ثقافة أحمد حسن البكر وطاهر يحيى. وثقافة عبدالناصر عسكرية مصرية. قارن هذا بذاك .. وإذا أخرجنا الهذر العفلقي من رأس علي صالح السعدي لما بقي لديه غير السكر والعربدة."(17)

بعد صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب، استلمت رسائل عديدة من القراء الكرام ومنهم كتاب ومؤلفون، مثل الصديق صاحب الربيعي، مهندس الري والخبير في شؤون المياه الذي بعث لي رسالة جاء فيها:
(عن ثقافة قاسم: حدثني الأستاذ كاظم السماوي، إنه كان عند الزعيم، وكان عنده الاقتصادي قاسم حسن الذي قدم تقريراً للزعيم عن الوضع الاقتصادي العراقي، وقد أطلع عليه عبد الكريم قاسم ووضع خطوطاً تحت بعض الطروحات والحلول. وقال الزعيم لقاسم حسن: اعد دراسة تلك الطروحات والحلول ثم أئتي بالتقرير كي أوقعه!! يقول الأستاذ كاظم السماوي، حينما خرجنا أنا وقاسم قال لي بالحرف الواحد أن الزعيم إنسان مثقف ومطلع، وسأله الأستاذ السماوي: كيف؟ فقال قاسم أن الخطوط التي وضعها الزعيم على الطروحات والحلول حينما كتبتها لم يكن لدي قناعة كاملة بها وكأنه قرأ أفكاري وان اقتراحاته للحلول هي الأصوب.(18)

هل كان لقاسم برنامج سياسي؟
دعيت في تموز عام 2002 للمساهمة في الندوة التي أقيمت في لندن، احتفاءً بالذكرى الرابعة والأربعين لثورة 14 تموز، وقد تحدثت فيها عن أسباب فشل الثورة في تحقيق الديمقراطية في العراق. وكانت محاضرتي عبارة عن خلاصة لما جاء في الفصل الخامس من هذا الكتاب (ثورة 14 تموز وموضوعة الديمقراطية). وبعد انتهاء المحاضرين من إلقاء مساهماتهم ، فتح المجال لتعقيب المداخلين من الحضور. ومن جملة التعليقات والأسئلة التي وجهت لي بالذات، أن عبدالكريم قاسم كان يفتقر إلى منهج سياسي واضح لحكم البلاد. فأجبت السائل الكريم بشكل مقتضب لضيق الوقت وهذا هو الجواب بشكل أوضح ومفصل:
ما المقصود بالمنهج السياسي؟ إذا كان المقصود أنه كان يفتقر إلى آيديولوجيا بالمعنى المتعارف عليه، نعم لم تكن لقاسم آيديولوجية معينة، ولكني أعتبر هذه الصفة من إيجابياته، وتصب في صالحه وصالح الشعب، ونتمنى أن يكون جميع قادة العراق أن يكونوا بلا آيديولوجيا كذلك، لأننا نريد من القائد السياسي أن يكون براغماتياً أي عملياً، متفتح الذهن على الأفكار الجديدة والنيرة، يعيد النظر في حساباته ومواقفه بين حين وآخر، ويغيرها حسب ما تقتضيه المستجدات، دون أن يكون مقيداً بسلاسل وقوالب آيديولوجية جامدة.
نعم لم يكن لقاسم آيديولوجيا معينة، ولكن هذا لا يعني أنه كان بلا برنامج سياسي. كان لقاسم برنامجان سياسيان وليس برنامج سياسي واحد، وكان كل منهما مكمل للآخر. الأول، كان البرنامج الذي وضعته اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار، والثاني هو برنامج الحزب الوطني الديمقراطي.
البرنامج الأول، وكما دونه اللواء محسن حسين الحبيب، أحد أعضاء اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار، وسكرتيرها، وهو قومي عروبي التوجه والهوى، والذي ناصب قاسم العداء منذ الأسابيع الأولى للثورة، يذكر في كتاب له عن الثورة وقد حدد البرنامج بعشرين هدفاً وكما يلي: (19)
1-إلغاء النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري.
2-القضاء على الإقطاع وتوزيع الأراضي على الفلاحين.
3-إسترداد حقوق العراق النفطية وتضييق مجال عمل شركات النفط الأجنبية وإقامة صناعة نفطية.
4-الخروج من منطقة الإسترليني وتحرير الإقتصاد العراقي من التبعية البريطانية.
5-تحقيق الوحدة الوطنية وإيجاد حل عادل للقضية الكردية،
6-إطلاق سراح السجناء السياسيين كافة وإطلاق الحريات العامة،
7-تضييق الفوارق بين الطبقات وفتح المجال لجميع الكفاءات والمواهب وتأمين العدالة الإجتماعية،
8-الخروج من الاتحاد الهاشمي،
9-التقارب الوثيق مع الجمهورية العربية المتحدة والدول العربية المتحررة الأخرى ومساندة الأقطار العربية التي لا زالت تسعى لنيل إستقلالها،
10-إسناد نضال الشعب الفلسطيني بكل الإمكانات المتيسرة لاستعادة أرضه وحريته،
11-الوحدة العربية هدف مصيري يجب السعي لتحقيقها، إلا إذا تعرض العراق لغزو خارجي يستهدف إعادة النظام الملكي. حينئذ يمكن المناداة بالوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة،
12-الخروج من حلف بغداد،
13-إزالة السيطرة البريطانية على القواعد العسكرية في العراق وجعلها تحت السيطرة الكاملة للجيش العراقي،
14-إتباع سياسة الحياد الإيجابي وعدم الإنحياز،
15-إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الدول الإشتراكية،
16-سياسة العراق الخارجية وعلاقاته تبنى على أساس الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة،
17-  تأليف مجلس قيادة الثورة من أعضاء اللجنة العليا ويقوم المجلس بمهام السلطة التشريعية حتى إجراء إنتخابات نيابية عامة،
18-  تشكيل حكومة مدنية من رجال السياسة المعروفين بكفاءاتهم ومواقفهم الوطنية،
19-  تحديد فترة انتقالية يشرع بعدها الدستور الدائم وتجرى انتخابات نيابية لانتخاب برلمان جديد يحدد على أثرها شكل الحكومة.
20-  رئاسة الجمهورية أنيطت بمجلس السيادة كحل وقتي إلى أن تستقر الأمور وتتضح الاتجاهات بعد ذلك. 

وقد أجرى المؤرخ العراقي المعروف حسن العلوي شبه اختبار مدرسي لعبد الكريم قاسم في كتابه القيم (عبدالكريم قاسم رؤية بعد العشرين) وتوصل إلى أن قاسم قد نفذ 17 من 20 هدفاً من البرنامج الذي ذكره اللواء محسن حسين الحبيب، وبذلك يكون قاسم قد نفذ 85% من برنامج الضباط الأحرار، وهذه درجة امتياز، كما جاء ذكره في مكان آخر من هذا الكتاب.
أما البرنامج الثاني الذي تبناه عبدالكريم قاسم فهو برنامج الحزب الوطني الديمقراطي، وحسب شهادة الباحث حنا بطاطو الذي يؤكد أن قاسم كان متأثراً بأفكار الحزب المذكور وقد أناط مسئولية كتابة أغلب القوانين التي أصدرتها حكومة الثورة بأعضاء قيادة الحزب بما فيه الدستور المؤقت. ونتيجة لهذا التعاون، كما يشهد بطاطو، حصل إزدهار في الإقتصاد والصناعة لم يشهد العراق له مثلاً في تاريخه.
كما اختار خيرة الرجالات العراقية خبرة وإخلاصاً من زعماء الحركة الوطنية في الوزارة الأولى لحكومة الثورة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أختار من القوميين محمد صديق شنشل للإرشاد (الإعلام)، وجابر عمر للمعارف، وعبدالجبار الجومرد للخارجية، وفؤاد الركابي للإعمار. ومن الأكراد المستقلين بابا على الشيخ محمود الحفيد وزير دولة، ومصطفى على للعدل. ومن الوطني الديمقراطي أختير محمد حديد  للمالية، وهديب الحاج حمود للزراعة، كما أختير إبراهيم كبة للإقتصاد وهو ماركسي معروف. أما الوزارة التي تشكلت في 7 شباط 1959، فيصفها محمد صديق شنشل بأنها كانت حكومة كامل الجادرجي، لأنهم إما كانوا أعضاء في حزبه أو قريبين من أفكاره. وهكذا كان قاسم قد اعتمد في تنفيذ مشاريعه التنموية على خيرة الرجال.
وتبني قاسم لبرنامج الحزب الوطني الديمقراطي ليس بالأمر الغريب في عالم السياسة، بل هو أمر مألوف حتى في البلدان المتطورة والعريقة في الديمقراطية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لقد تبنى حزب العمال البريطاني في الأربعينات من القرن الماضي، برنامج الخبير الاقتصادي البريطاني المعروف جون مينارد كينز، أستاذ الإقتصاد في جامعة لندن للاقتصاد وصاحب المدرسة الكينزية المعروفة بدولة الخدمات (welfare state) رغم أنه كان عضواً في حزب الأحرار. وبالمناسبة كان محمد حديد تلميذ هذا الخبير الاقتصادي الكبير في نهاية الثلاثينات عندما كان يدرس علم الإقتصاد في جامعة لندن. وقد لعب حديد دوراً كبيراً في إنجاح المشاريع الاقتصادية لحكومة الثورة، وكان قاسم يعتمد عليه كثيراً حتى عندما كان خارج السلطة.
ومن كل ما تقدم، نستنتج أن قاسم كان صاحب برنامج سياسي ونفذ معظمه. أما الأهداف التي فشل في تحقيقها، فقد فشل جميع الذين حكموا العراق من بعده.

شعبية قاسم
المعروف عن عبد الكريم قاسم أنه نال أوسع شعبية أكثر من أي زعيم سياسي في تاريخ العراق الحديث. والسر في ذلك هو بساطته ونزاهته وإخلاصه وحبه للشعب، وخاصة للطبقات الفقيرة، فقد بنى لهم عشرات الألوف من الدور السكنية وعمل على رفع مستواهم المعيشي وكان يلتقي بهم بتكرار. وهو أول عراقي من عامة الشعب يصل إلى رئاسة الحكومة، فهو الذي كان يعتز بكونه ابن نجار. ونتيجة لذلك فقد كسب قلوب وعقول الناس، فهو بالنسبة لجماهير الشعب يعد بحق بطلهم الأسطوري. وفي مثل هذه الحالات، وفي مرحلة تاريخية معينة كالتي كان يعيشها العراق آنذاك، لا يكتفي الإنسان بالصفات البشرية المعروفة على البطل، بل لا بد وأن تتدخل الأسطورة في الواقع، لإضفاء صفات أسطورية عليه فوق مستوى البشر. والتاريخ مليء بالأمثلة.
ولم تخذله الجماهير المحبة له، فقد خرجت بمئات الألوف لنصرته يوم إنقلاب 8 شباط 1963، إلى حد أنه عندما سمع قاسم بالانقلاب وهو في بيته، وأراد الذهاب إلى وزارة الدفاع عن طريق شارع الجمهورية فلم يستطع لأن الشارع كان مكتظاً بالجماهير التي تهتف (ماكو زعيم إلا كريم). وقد شاهدت بعيني ذلك اليوم المشهود وأنا قادم من البصرة إلى بغداد بالقطار في طريقي إلى الموصل للالتحاق بكلية الطب بعد انتهاء عطلة نصف السنة (العطلة الربيعية)، حيث كنت في السنة الأولى من دراستي فيها، وبعد أن غادرت القطار توجهت إلى ساحة التحرير، فوجدتها، وكذلك شارع الرشيد، عبارة عن بحر بشري متلاطم، غاصة بالجماهير التي كانت حاملة صور الزعيم وهي تردد  نفس الهتاف (ماكو زعيم إلا كريم). ويقال أن طاهر يحيى أراد أن يشق طريقه ليلتحق برفاقه الإنقلابيين قرب وزارة الدفاع، فشق طريقه بصعوبة وسط الجماهير وهو يردد معهم (ماكو زعيم إلا كريم).
وتحت عنوان (الرعب في خدمة الثورة -إنقلاب 8 شباط-) يذكر طالب شبيب في مذكراته: "وفي المدخل الرئيسي للمعسكر (الرشيد) قام أنور عبد القادر الحديثي بعمل مرعب، لا أعرف ماذا ستكون نتائجه علينا، لكنه أثر كثيراً على معنويات الجنود والضباط داخل المعسكر. فقد تجمهر أمام بوابة معسكر الرشيد الرئيسية حشد من الجنود وضباط الصف وبعض الضباط والمدنيين يهتفون "ماكو زعيم إلا كريم" و"عاشت الجمهورية العراقية الخالدة"، وآنذاك نادى أنور الحديثي على أحد الهاتفين وطلب منه إعادة هتافه، ولما أعاده، أطلق عليه أنور من مسدسه الذي صوبه نحو رأس الجندي مباشرة فسقط على الفور ميتاً. وفرغت الساحة من كل المتظاهرين، بسبب ما سببته العملية من رعب وذعر."(20)
وفيما يتعلق بالسخرية من شعبية قاسم، يقول قاسم الجنابي (مرافق قاسم) وهو شاهد عيان خلال حوار الإذاعة، التي سمّوها محاكمة، فيقول أن وجه عبد الستار عبد اللطيف كلامه إلى عبد الكريم قاسم قائلاً: "إنك مسيطر والشعب معك، دبابة واحدة أسقطتك". ويعلق الدكتور علي كريم سعيد بحق قائلاً: "كان ذلك بمثابة رسالة رعب لشعب أدَّعوا أنهم ثاروا من أجله. فجاءت تلك، رسالة استفزاز همجية لا تنتمي إلى حضارة إنسانية عمرها ستة آلاف عام. وكأنها رسالة تقول: إن الحكومة الجديدة قاسية. كما إنها تعني بأن الثوار أذعنوا لفكرة: إن لهم الدبابة ولخصومهم التعاطف الشعبي. كذلك كان المشهد التلفزيوني في إهانة جثة الزعيم. كان ذلك المشهد التلفزيوني أسوأ اللقطات المسجلة في تاريخ العراق المعاصر، فلم يكن العراقيون حتى يُمَيَّزوا بهذه المعاملة عن غيره. بل ربما كان صراعاَ لعب فيه قاسم دور أكثر المتصارعين وداعة وتسامحاً وأقلهم همجية وأدلجة وتشريعاَ للقتل، فقد سن عملياً قاعدة: "عفا الله عما سلف". وكان فيها أقرب إلى عقلية العراقيين البسطاء قبل عصبية الأيديولوجيا الواردة..."(21)

ألقاب قاسم
وكتعبير عن إعجابها وحبها للزعيم، أطلقت الجماهير عليه عشرات الأسماء الشعبية بصورة تلقائية منها: "الغضنفر" و"أبو دعيِّر" و"الزعيم الحبيب" و"الزعيم العبقري" و"المنقذ" و"بطل تموز"  و"مفجر الثورة" و"الأسد الهصور" و"الرجل الرجل"، و"صانع التاريخ" و"البطل المغوار" و"أبو الأحرار" و"عملاق الثورة" و"إبن الفقراء" و"إبن الشعب البار"، و"المعلم الأول" و"نصير العمال والفلاحين" و"حبيب الملايين" وإلى غيرها من الأسماء العديدة.(22)
كما أطلق الشيوعيون عليه لقب "الزعيم الأوحد، والزعيم الملهم نكاية بمنافسه عبدالسلام عارف.  أما الأرجوزة (ماكو زعيم إلا كريم) فيذكر حنا بطاطو في كتابه (تاريخ العراق) أن عبدالسلام عارف هو الذي قد أطلقها على قاسم وذلك في أحد اجتماعات اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار قبل الثورة وكان النقاش حاداً يدور حول من يتزعم الثورة، فقام عارف قائلاً: "ماكو زعيم إلا كريم وهذا حدنا وياكم".
لقد استغل خصوم قاسم هذه الألقاب في غير صالحه مدعين أنه كان نرجسياً.. الخ. فما ذنب الرجل إذا كان الناس يطلقون عليه مثل هذه الصفات والألقاب تعبيراً عن تعلقهم به وهو يختلف كل الإختلاف عن أسماء صدام حسين التي جاوزت المائة، فشتان بين قاسم وصدام .
كذلك هناك من أدعى أنه شاهد صورة الزعيم في القمر، أو صورته مرسومة على بيضة.. الخ. أغلب الظن كان خصومه ينشرون مثل هذه الأقاويل والصفات من أجل الطعن به فيما بعد. ومثال على ذلك، هناك أغنية تقول: (عبدالكريم كل القلوب تهواك) وأخرى: (أرواح الشعب فدوى لإبن قاسم). هذه الكلمات هي من نظم سكرتيره النقيب جاسم كاظم العزاوي، والذي ظهر فيما بعد أنه كان متواطئاً مع إنقلابيي 8 شباط 1963.
والشيء بالشيء يذكر، يقول الأديب العراقي، ذوالنون أيوب، عن جاسم كاظم العزاوي سكرتير الزعيم، والذي كوفئ بمنصب سفير في النمسا أيام حكومة بكر- صدام: ".. وكان هذا السفير قد اظهر لي من الود ما لم أره من سفير آخر قبله ولا بعده، فقد كانت تربطني به رابطة تبعيتنا السابقة للزعيم عبد الكريم قاسم، واعتماده علينا. ولكن الناس صاروا يقولون عنه بعد مصرع الزعيم قاسم، أنه كان لقاسم كيهوذا الأسخربوطي للمسيح، وعذراً أبا هيثم فإنما أنا أردد إشاعة قد أكون غير مقتنع بصحتها."(23)

هل كان قاسم دكتاتوراً ؟
الدكتاتورية ظاهرة لها صفات معينة. وهذه الصفات تمتد من الحاكم الدكتاتور في قمة السلطة إلى أوطأ الطبقات في الدولة، فتجدها في الشارع وفي الدائرة وفي المعمل وفي الصحافة والإعلام وفي كل مكان. في النظام الدكتاتوري هناك جواسيس ورجال الأمن منتشرين في كل زاوية من زوايا المجتمع يحصون على الناس أنفاسهم. والناس في حالة هلع خوفا أن تبدر منهم بادرة يحاسبون عليها. هذه الصفات لم تكن موجودة في عهد قاسم حسب إعتراف خصومه ومحبيه. فالصحافة كانت تتمتع بالتعددية ولم تكن مؤممة. يقول حسن العلوي: "أقيمت مناقب نبوية على أرواح الطبقجلي ورفاقه، ساهم فيها قارئ المقام يوسف عمر، وقارئ القرآن عبدالستار الطيار، وكان كل منهما يقرأ قصائد معادية للوضع القائم آنذاك، وتنصب المايكروفونات في الأماكن العالية، دون أن يتعرض لها أحد من أفراد الشرطة والأمن والإنضباط العسكري، لكونها أماكن دينية ولم يتعرض لها عبد الكريم قاسم طبلة فترة حكمه مع إنها كانت مراكز نشاط معارض لحكمه.. وبرز إسم يوسف عمر ليس مطرباً بل محرضاً من أهم المحرضين ضد ذلك الحكم. وكانت حفلاته الغنائية العادية تنقل بالإذاعة والتلفزيون بشكل مستمر."(24)

وعندما كانت تخرج مظاهرات معادية له تهتف (يا بغداد ثوري ثوري، خلي قاسم يلحك نوري)، وكان قاسم يبعث بالجنود بعد تجريدهم من السلاح، لا لضرب المتظاهرين ضده، بل لحمايتهم من مظاهرة أخرى يقوم بها اليساريون ولمنع التصادم بينهما. كان خصومه يقدمون نكات لاذعة ضده وضد المهداوي علناً وعلى المسارح دون أن يتعرضوا إلى أية مساءلة. واعترف سجناء سياسيون من البعثيين أن السجن كان أشبه بالفندق، تتوفر لهم الفرص لنشر أفكار حزبهم وتنظيم الآخرين. وبهذا الخصوص يشهد الأستاذ معاذ عبدالرحيم، وكان عضواً في حزب البعث وأحد المعتقلين فيقول: "إن الإعتقال أيام عبدالكريم قاسم كان بالنسبة لنا.. أشبه بالفندق، لا تعذيب ولا تنكيل فالعناية جيدة، ومواجهة الأهل مستمرة، وما يصلنا من الأهل من طعام وملابس متيسر، بل أن الموسرين من المعتقلين يطلب من أهله أن يزودونه بأكلة (الباجة) وبالدولمة وغيرها من الأكلات العراقية المشهورة، وكنت من أعضاء الحزب الذين لم يمنعهم الإعتقال من العمل لسكب الأنصار والمؤيدين للحزب.."(25)
كما ويشهد حسن العلوي الذي كان معارضاً لقاسم ودخل الإعتقال آنذاك، قائلاً: "كانت ليالي الاعتقال تتحول إلى جلسات حزبية وأهازيج.. وكان ناظم كزار يعقد محكمة خاصة والتي تقضي عادة على المتهم اليومي عبدالكريم قاسم بالإعدام. فيقوم ممتاز قصيرة (طالب طب الذي أعدمه عارف فيما بعد) بالتنفيذ ويصيح: راح الزعيم.. اطلقوا سراح عبدالسلام من السجن".(26)
لا بل كان بيت قاسم دون حراسة مما أمكن حزب البعث دس المناشير في غرفة نومه بواسطة طفل من الجيران. ولما اكتشف ذلك لم يحاسب أحداً وهو يعرفهم، بل تحول إلى بيت آخر كما يشهد بذلك حسن العلوي. فيا ترى هل هذا الشخص دكتاتور.؟
وعن صفات قاسم، يقول حنا بطاطو: ومما يعكس شخصية قاسم في هذه المرحلة ملاحظته التي أدلى بها في أحد أيام شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1958، إلى محمد حديد، وزيره للمالية. فعند خروجه من مؤتمر للمحامين عقد في فندق بغداد، حيث كيل له المديح على كل النغمات الممكنة، التفت إلى حديد قائلاً: "أبو هيثم، أشد ما أخشاه على نفسي أن يصيبني الغرور". وكانت هناك صورة مطابقة لهذه التي رسمها لقاسم، عند هاشم جواد، وزيره للخارجية من 1959- 1963، إذ قال لبطاطو: "في البداية، كان يسهل الوصول إليه، وكان مفتوح الذهن وشديد التوق للتعلم… ولكن الأحداث وضعت المزيد والمزيد من السلطات في يديه… وما زلت أتذكر كيف أنه في الأشهر التي تلت إنقلاب الموصل الفاشل عندما عمت الفوضى الجهاز الإداري، لم يعد الوزراء يتخذون أية مبادرة من دون الرجوع إليه.. وهكذا فإن قاسم الذي لم يكن له رأي مسبق ولا مبادرة الذي عرفته في عام 1958 بدأ يتذوق لذة كونه الرجل الوحيد في البلد. وبكلمات أخرى: لقد صنعنا دكتاتوراَ… إن شعبنا في الحقيقة صانع للدكتاتورين"(27)
لذلك ومن كل ما تقدم، نعرف أنه لا تنطبق صفات الدكتاتور على قاسم. بل كان من أقرب السياسيين إلى الديمقراطية. فعندما أقدم حسين جميل وزير الإرشاد (الإعلام) على غلق صحيفة الحزب الشيوعي (إتحاد الشعب)، رفض ذلك القرار وأعاد نشرها، وعندها استقال الوزير إحتجاجاً على ذلك. ومن الغريب أن يقدم رجل قانون وديمقراطي مثل حسين جميل بغلق صحيفة بسبب خلاف سياسي. فمن كان أقرب للديمقراطية، عبدالكريم قاسم العسكري، أم حسين جميل السياسي المدني، وهو الشخص الثاني في الحزب الوطني الديمقراطي بعد زعيمه الجادرجي؟
كما وقال محمد حديد عن قاسم أنه كان أقرب أقرانه العسكريين إلى روح التسامح وفكرة الديمقراطية، فقد ظلت مناصب الدولة في عهده موزعة على الجميع وليس على تيار سياسي واحد.(28)
وقاسم معروف عنه بالرحمة. فهو أول حاكم عراقي بشر بروح التسامح وشعاره المعروف (عفا الله عما سلف) وأبناء ذلك الجيل يتذكرون تصريحاته بعد خروجه من المستشفى الذي عولج به من إصاباته البالغة إثر إطلاق الرصاص عليه في شارع الرشيد من قبل الطغمة العفلقية من ضمنها صدام حسين، حيث عفا عنهم بعد أن حكمت عليهم المحكمة بالإعدام. هذا الموقف المتسامح يؤاخذه عليه اليساريون فيقول الشاعر كاظم السماوي في مذكراته بهذا الخصوص: "نهض عبد الكريم قاسم بعد محاولة اغتياله، وكان المؤمل أن يضرب بيد من حديد، ولكنها كانت من خشب" (كذا). نعم أراد قاسم أن يضرب مثلاً في روح التسامح في بلد تشبع شعبه على قيم الثأر والإنتقام والعنف.

مصرع قاسم
كثير من الناس وخاص من محبيه ومن قوى اليسار، يلومون قاسماً لرفضه تسليح الجماهير من أنصاره يوم 8 شباط 1963 لسحق الانقلاب. لقد رفض تسليح أنصاره لسبب معروف وهو منعاً لوقوع حرب أهلية، إذ كان يفضل استشهاده على إغراق البلاد في هذه الحرب. وكان الزعيم قاسم مصمماً على القتال إلى الاستشهاد، ولكن عندما اتصل بعبدالسلام عارف يوم 9 شباط ، وكان يونس الطائي هو الذي يتفاوض بين الجانبين، مؤكداً له أنهم سيضمنون سلامته ومن معه من رفاقه الضباط الآخرين، وأن (بينهم خبز وملح-على حد تعبير عارف)، مصدقاً بوعود عارف حيث كان قاسم نفسه قد عفا عنه عندما حكمت عليه محكمة الشعب بالإعدام. لذلك صدق بوعودهم فأنهى القتال واستسلم حقناً للدماء. فلماذا نلوم قاسماً على ذلك، فاللوم على أولئك الذين نكثوا بعهودهم.
أما حول ما يسمى بالمحاكمة فيقول طالب شبيب: دار بيننا حديث غير منظم سادته حالة من التوتر، ولم يكن هناك أي شيء يمكن تسميته بمحاكمة. وكل كلام قيل أو يقال عن إنشاء هيئة حاكمتهم إنما هو نوع من "التسفيط" والتخيل (الخيال)‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! ومن الممكن أن يكون قد تدخل علينا رجال يحثون على موقف معين مثل خالد مكي الهاشمي، وكلهم يحثون على الإعدام أو الإسراع به".(29)
وشاهد عيان آخر من الإنقلابيين وهو (عبدالستار الدوري) كان حاضراً، قال في برنامج (بين زمنين)(30)، أنه عندما دخل عبد الكريم قاسم القاعة راح ينظر في وجوه الإنقلابيين واحداً واحداً يتأملهم باندهاش وكأنه غير مصدق أن هؤلاء ينقلبون عليه، ولما حان وقت إعدامه اعتدل في مكانه ووضع سدارته على رأسه وكأنه يتهيأ لأخذ صورة له والبنادق المصوبة نحوه كأنها كامرات. هكذا كانت شجاعة قاسم وهو يواجه الموت. ثم نفذ حكم الإعدام به وبرفاقه الشهداء فاضل عباس المهداوي، وطه الشيخ أحمد وخليل كنعان. وبشاهدة هاني الفكيكي أحد قادة الإنقلاب، والذي كان حاضراً في الإذاعة ساعة الإعدام قائلاً: "ومع إنهمار ذخيرة الموت انطلق صوت قاسم هاتفاً بحياة الشعب".(31)

حقائق بعد الإعدام
بعد أن تخلصوا من قاسم ذهب عدد من فرسان إنقلاب 8 شباط إلى مكتبه في وزارة الدفاع عسى أن يعثروا على دليل جرم ليتخذوا منه ذريعة للتشهير به. فوجدوا عدة أشياء ولكن كلها كانت في صالحه، نذكر منها أربعة ملفات جديرة بالإشارة: ملف زغيب، المدرس اللبناني المنتدب للتدريس في جامعة بغداد، يبيِّن أنه كان جاسوساً من المخابرات الأمريكية، وحلقة وصل بين قيادة البعث في بغداد وصديقه مشيل عفلق، وقد جئنا على ذكره في فصل أسباب إغتيال الثورة. ومسودة القانون الجديد للجنسية العراقية والذي كان سيلغي القانون القديم الذي قسَّم العراقيين إلى مواطنين من الدرجة الأولى والثانية. وملف آخر يحتوي على وثائق اتصالات سرية بين الحكومة الكويتية والحكومة العراقية لحل الصراع بينهما دبلوماسياً والذي كاد أن يفضي إلى قيام إتحاد فيدرالي أو كونفيدرالي بين البلدين مقابل فتح المجال لاستثمار الرساميل الكويتية في العراق على نطاق واسع. وكان أحد المفاوضين من وراء الكواليس هو المرحوم موسى علاوي الذي بعث إلى الأستاذ حسن العلوي رسالة خطية عام 1997، يخبره بالتفاصيل(32). كذلك وجدوا سجلاً يضم أسماء العائلات العراقية الفقيرة التي كان قاسم يوزع عليها رواتبه. ومن يومها أدرك هؤلاء أنهم قد قتلوا زعيماً لم يعرف العراق له نظيراً في نزاهته. وكما يقول بطاطو: " أما اليوم، فيعترف عدد غير قليل من أولئك الذين وقفوا ضده في تلك الساعة بأن عامة الشعب كانت تكن له حباً مخلصاً يفوق حبها لأي حاكم آخر في تاريخ العراق الحديث".(33)
قوة قاسم في موته:
من المعروف أن الشهداء الأبرار هم أقوى في موتهم مما هم عليه في حياتهم. هكذا كان المسيح، والحسين، وغاندي، وجيفارا وغيرهم. وبكل تأكيد كان استشهاد قاسم، المعروف بتسامحه، بهذه القسوة والوحشية من قبل رفاق الأمس قد جعله أقوى في موته مما كان عليه في حياته. هذه الحقيقة أدركها الشباطيون وأرعبتهم كثيراً منذ اللحظات الأولى من انقلابهم، وهذا هو السبب الذي جعلهم  يلقون جثته الممزقة بالرصاص في النهر خوفاً من أن يتخذ الشعب من القبر مزاراً أو رمزاً بعد أن يعود الوعي الغائب أوالمغيب قسراً. وفعلاً صار قاسم أسطورة في مخيال الجماهير الشعبية الفقيرة التي لم تصدق عن مصرعه وراحوا يتصورونه حتى في القمر.

من هو عبدالكريم قاسم؟
كان عبدالكريم قاسم يجسد في شخصه وبصورة مكثفة، الجوانب الإيجابية والمشرقة من القيم والأعراف والتقاليد العراقية الجميلة المحببة إلى العراقيين في الوطنية والقومية والإنسانية والنبل والشهامة والشجاعة والكرم والمروءة والتسامح والبساطة والعفو عند المقدرة وحب الناس، وبالأخص الفقراء منهم، والثقة العالية بالنفس وبالشعب وبالناس المحيطين به والاعتماد عليهم. وهذه الصفات النبيلة والقيم المثالية التي يؤمن بها هي التي أحالت بينه وبين المكر الذي قد يلجأ إليه السياسي الداهية أحياناً لإيهام الخصوم، والإيقاع بهم، وإبقاء الموالين له متماسكين من حوله، والحفاظ على التوازنات ووحدة القوى الوطنية. وقد وضعته الأقدار في قمة القيادة وسلمته أعلى مسئولية لقيادة البلاد في مرحلة من أشد مراحل تاريخ العراق غلياناً وعربدة وهياجاً وانفجاراً. في تلك الانعطافة التاريخية الكبرى التي لا بد من حصول الإنشقاق والصراع العنيف بين مكونات الشعب وقواه السياسية التي لم يسلم منها أعظم رجالات التاريخ ومهما أوتوا من قدرة وكفاءة ودهاء. فالظروف التي مر بها قاسم ومعاناته كانت فوق طاقة أي قائد ومهما كان حكيماً وداهية، أشبه بتلك التي مر بها الإمام على بن أبي طالب.
ويمكن القول أن عبدالكريم قاسم كان يمتلك في شخصه طاقات كامنة وإمكانيات كبيرة كسياسي ورجل دولة لم تسمح له الظروف العاصفة بعد الثورة لإبرازها في السياسة والإدارة، لأنه رغم تلك الظروف العاصفة، استطاع الرجل أن يحقق الكثير للعراق ودون أن يكون عنده حزب أو مؤسسات استخبارية نشطة لتحميه. وعليه أعتقد أن نهاية قاسم بتلك الطريقة اللئيمة لا تدل على ضعفه في شيء، بل كانت حتمية فرضتها ظروف المرحلة التاريخية التي جاءت بالثورة والقوى  السياسية التي ساهمت بها ولأن تلك القوى كانت وماتزال في مرحلة المراهقة السياسية، لم تدرك المخاطر المحيقة بها. ولذلك كان قاسم وكأي شهيد في التاريخ، برز وهو أقوى بعد مصرعه مما كان عليه في حياته. وسيبقى عبدالكريم قاسم، ابن الشعب العراقي البار رمزاً للوطنية العراقية والعدالة الإجتماعية، حياً في وجدان الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
16- حسن العلوي، عبدالكريم قاسم رؤية بعد العشرين، ص 12.
17- د. علاء الدين الظاهر، تفكيك التجني، صحيفة الزمان-اللندنية، العدد 575، الصادر يوم 20/3/2000.
18- رسالة شخصية من الأستاذ صاحب الربعي، وهو صديق الشاعر الأستاذ كاظم السماوي.
19- محسن حسين الحبيب، حقائق عن ثورة 14 تموز، ط1، دار الأندلس للطباعة والنشر، سنة 1981، ص 58-61.
20 د. علي كريم سعيد، عراق 8 شباط في ذاكرة طالب شبيب، من مفاهيم الحوار إلى مفاهيم الدم، ص82.
21- د. علي كريم سعيد،نفس المصدر،  ص 103 .
22- أسماعيل العراف، أسرار ثورة 14 تموز 1958، ص 436.
23- مذكرات ذوالنون أيوب، القسم الخامس، الطبعة الأولى، ص59.
24- حسن العلوي، المصدر السابق، ص 88.
25- معاذ عبدالرحيم، صحيفة الزمان-لندن، العدد 985، يوم 3 آب (أغسطس) 2001.
26- حسن العلوي، المصدر السابق، ص 95.
27- حنا بطاطو ، المصدر السابق، ج3، ص146-147، الترجمة العربية .
28- د.علي كريم سعيد، المصدر السابق ص 103.
29- د.علي كريم سعيد، المصدر السابق ص102.
30- برنامج (بين زمنين) عن حياة الزعيم عبدالكريم قاسم، بثته فضائية أبو ظبي على حلقات في أوائل عام 2002.
31- هاني الفكيكي، أوكار الهزيمة.
32- حسن العلوي، أسوار الطين، دار الكنوز الأدبية-بيروت، 1995، رسالة الأستاذ موسى علاوي أحد المفاوضين في القضية الكويتية عن الجانب العراقي إلى جانب المرحوم قاسم حسن، سفير العراق في براغ أيام قاسم. صفحات281-292
33--بطاطو، المصدر السابق، ج3، ص 296.


1546 عدد مرات القراءه

 
آخر مقالاتي
العراقيون ولاؤهم لمن؟ ولماذا؟
أرسل لي صديق أكاديمي، وهو عالم لامع، وأستاذ في إحدى الجامعات الإنكليزية العريقة، ومهتم بالشأن العراقي، ومتابع لحيثياته، تعقيباً على مقالي الموسوم: (هل حقاً كان العهد الملكي ديمقراطياً، واعداً ومستقراً؟)(1)، ونظراً لأهميته، أنقله كاملاً: المزيد
غاليري الصور
 
جميع الحقوق محفوظة للدكتور عبدالخالق حسين ©
Powered & Developed by: TRE-CMS - The Red Elephant Content Management System The Red Elephant