إبحث في الموقع  
الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين
 

موقف الجواهري من قاسم(2-1)

أرسل إلى صديق ارسل لصديقك نسخة للطباعة اطبع


الفصل الثاني عشر(1)


موقف الجواهري من قاسم(2-1)

لقد خصص شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري أكثر من مائة وعشرين صفحة من مذكراته (ذكرياتي)، في الطعن بالزعيم عبدالكريم قاسم دون إنصاف، ذلك الزعيم الذي، بإعتراف الجواهري نفسه، كان يلبي له كل طلباته، ويعتز أن بيته كان الوحيد الذي زاره قاسم مرتين دون غيره تقديراً لمكانة الشاعر ودوره في تحريض الشعب للثورة على النظام الملكي، وكانت ابنته (ظلال)، ولم يكن عمرها قد تجاوز التاسعة كانت تستدعي على الهاتف عبد الكريم قاسم في أكثر من مناسبة فيهرع إليها ملبياً كل طلباتها.. وغيره كثير من أمثلة، مما يؤكد مدى خلوص نيات الزعيم وتعلقه بالشاعر وتقديره له.
ونظراً لما لشاعر العرب الأكبر من مكانة متميزة في قلوب أبناء شعبنا العراقي خاصة والعرب عامة، وما حصل فيما بعد من تعقيدات، وما اتخذ شاعرنا من مواقف سلبية مؤسفة من الثورة وقائدها الزعيم عبدالكريم قاسم، لم تكن في صالح الطرفين، حيث اتخذها خصوم الطرفين وسيلة للطعن بالزعيم، لذلك أفردنا فصلاً خاصاً لمناقشة تلك المواقف والآراء، وذلك توضيحاً للرأي العام، ولوضع حد لخصوم الثورة من إستغلال آراء الجواهري للطعن بالثورة وقائدها، وكدليل على تذبذب الجواهري وعدم ثباته على موقف معين طيلة حياته. وحبذا لو اكتفوا بأقوال الجواهري نفسه ضد الزعيم قاسم، بل أضافوا إليها وأطنبوا فيها من أجل تشويه التاريخ والصيد بالماء العكر.
لذلك وحماية للتاريخ من التشويه، رأيت من المفيد كتابة هذا الفصل، معتمداً، غالباً، على مصدر واحد في المعلومات الواردة هنا، ألا وهو كتاب الجواهري نفسه الموسوم بـ(ذكرياتي)، الجزء الثاني، والذي خصص الفصل الثالث منه بصفحاته المائة وخمسة وعشرين التي ملأها بالهجوم الفض على الثورة وقائدها الزعيم عبد الكريم قاسم دون إنصاف أو مبرر. والملاحظ من قراءة الكتاب المذكور أن الجواهري قد اعترف بخصال الزعيم الحميدة ونقائه، ووطنيته، ومحاسنه الكثيرة التي ليس بإمكانه نكرانها، ولكنه ما أن يذكر حسنة من حسنات الزعيم إلا وحاول إلغاءها بإلصاق الكثير من المساوئ به دون إثبات، وأغلبها مبنية على سوء الظن كما سنرى.
بدءً، أؤكد إني من المعجبين بالجواهري كشاعر عظيم، وأعتقد أن عظمته في شعره فقط. فشعره في دواوينه أصدق من نثره في كتابه (ذكرياتي). لأن شعره وطني وسياسي في أغلبه، و نتج في ظروف الحدث السياسي عندما كان يتمتع شاعرنا بالحيوية والنشاط الجسدي والعقلي، فكان مشحوناً بالمشاعر الوطنية الصادقة لتأليب الجماهير على حكومات العهد الملكي. فكان بحق، محرضاً للثورة، وهو القائل:
أنا حتفهم ألج البيوت عليهم أغري الوليد بشتمهم والحاجبا

أما (ذكرياته)، فقد بدأ في كتابتها بعد أن بلغ السابعة والثمانين من العمر، وبعد أن حلت الكوارث بالبلاد بسبب دكتاتورية وحروب النظام الفاشي، وبعد أن أصيب بالخيبة والإنتكاسة النفسية، فأوعز أسباب تلك الكوارث إلى ثورة 14 تموز، وصب جام غضبه عليها وعلى قائدها، بدلاً من أن يصبها على المسبب الحقيقي وهو التيار القومي المتمثل بحزب البعث، وخاصة الجناح الذي تسلط عليه الثنائي بكر- صدام. ففي مذكراته، لم ينتقد العهد الملكي إلا نادراً وخفيفاً، أما النظام البعثي الفاشي في العراق فلم يوجه له أي نقد يذكر، بل أسبغ على البكر وصدام بالمديح.
يقول الجواهري فيما كتب عن الثورة: "… إن الكثيرين كانوا قد كتبوا عن هذا الإنقلاب (الثورة) وإن كل واحد من هؤلاء كان إنما يكتب وفق أهوائه ومصالحه من هذه الثورة وزعيمها..!!".
لنرى إذن بأي دوافع كان يكتب هو عن الثورة. كما ويذكر الجواهري أن حكومة العهد الملكي قد أقطعته قطعة أرض زراعية في (علي الغربي) ليزرعها. وقد وصف نفسه بأنه كان مزارعاً فاشلاً. وهو الذي مدح الزعيم وغنى للثورة في قصائده في السنة الأولى من عمرها ولم يستطع نكران ذلك لينقلب في شتاء حياته على تلك الثورة، وبعد الإنقلابات المضادة التي طالت شرورها الشاعر نفسه، فانضم إلى جوقة خصوم ثورة 14 تموز لتحميلها ما حل بالبلاد.
يقول الجواهري أنه أصيب بخيبة أمل من الثورة من يومها الأول(كذا)، وخاصة عندما بعث له الزعيم سيارة خاصة لنقله من مكان سكناه في مدينة (علي الغربي) إلى بغداد في اليوم الثالث من الثورة، وأنه ما أن وجد صور قادتها ملصقة على السيارة، تشاءم منهم من البداية!! فيقول عن الثورة:
"ولأنني واحد من شهود العيان فيها والقلة في هذا المجال لا سيما وإنني عشت وشاركت وتفاعلت مع أحداثها وبخاصة مع زعيمها إبان الثورة وقبلها بعشر سنوات وأكثر من ذلك فقد كنت الوحيد الذي قرأ الفاتحة عليها وأنا أسمع أسماء الوزراء في وزارتها لأعود بعد قليل وأكون أحد المهوسّين والمهووسين لها.." (ذكرياتي، ج2 ص161). ويؤكد كلامه هذا في مكان آخر فيقول: "ولكن الحقيقة أني شخصياً حين سمعت أسماء الحكومة والوزارة وزعماء الجمهورية وقادة الثورة… وأستطيع أن اقسم على ذلك.. قرأت الفاتحة على هذه الجمهورية وبقيت مستمراً في تلاوتها أياماً وليالياً." (نفس المصدر، ص192).

إذاً، فمنذ اليوم الأول قرأ الجواهري على الثورة الفاتحة. ونحن إذ نسأل، أية موضوعية هذه التي يعتمد عليها شاعرنا الكبير في نقده للثورة، وهل من المنطق أن يصدر رجل بوزن الجواهري ومكانته الثقافية تلك الأحكام على ثورة وهي مازالت في أيامها الأولى، خاصة وقد ساهم هو في التحريض على تفجيرها عشرات السنين؟ كما ويضيف في مكان آخر: "ليتني بقيت في علي الغربي وأجوائها المشحونة بالمتاعب في منجاة من محاكمة الضمير التي عاودتني بعنف بعد هذه المرحلة وأنا الذي لم يخلص بعد من الهاوية الأولى وتبعاتها النفسية.." (نفس المصدر، ص171.).
وهنا يناقض الجواهري نفسه بنفسه حين يقول أنه قد تشاءم من الثورة من يومها الأول وهو الذي مدح الثورة وقائدها في العديد من قصائده وعلى سبيل المثال لا الحصر، قصيدته العصماء التي يقول فيها عن قاسم قوله:
عبد الكريم وفي العراق خصاصة ليدٍ، وقد كنت الكريم المحسنا
أسديتـها   بيضــاء  لا منتفــجاً  بالنعمة الكبرى ولا متمننا
غامرتَ  بالدم    تبتغي منه دماً  شأن المقامر مَربحاً أو مَغبَنا

فمن نصدق الجواهري الشاعر أم الجواهري الكاتب؟
وفي مجال المحاسن التي يذكرها الجواهري عن الزعيم ولم يستطع نكرانها فيقول: ".. صحيح إن الذي يجمعني بعبد الكريم قاسم "الزعيم" وما فيه من رباط شخصي قوي يمتد إلى عشر سنوات خلت وما كان بيننا في لندن من وطادة علاقة عميقة الدلالة رغم قصر فترة المعرفة.. وصحيح أيضاً أن الرجل نفسه كان صادقاً معي كل الصدق وأميناً كل الأمانة ونظيفاً كل النظافة في حفاظه على تلك العلاقة، وصحيح كذلك أنه لم يصل مدني واحد في العراق إلى هذه الثقة والوطادة والعلاقة واستثني هنا العسكريين بعلاقاتهم الغامضة وظروف تكتيكاتهم الإنقلابية.. وحرفتهم المرتبطة بالمغامرات والمطامح الشخصية والإنقلابات حتى وصل الحد به إلى انه أعلن وهو يفعل ما يقول: أنني لا أرد طلباً (لفلان)"(ص 172).
ويضيف: "والحقيقة إن طلباتي كثرت من أجل الناس إلى هذا الرجل، وأن كل تلك طلبات كانت تلبى.. ولا أجد هنا بداً من الإعتراف بأن ذلك كان مدعاة فخر واعتزاز، ولكن ومع هذا فقد كان هناك مدعاة أسف لي ومدعاة ندم مني على سوء تصرفي إذ لم أفكر يوماً أن أطلب من هذا الرجل طلباً شخصياً لي.. وأي طلب لي سيكون مستجاباً حتماً ممن لا يرد له طلباً... وعلى سبيل المثال لم أطلب منه وضيفة تخلصني من واقعي كصحفي فاشل حقاً، ولم أطلب منصباً ينسيني واقعي السابق كمزارع فاشل.. ولم أطلب منه أي طلب يرتقي بمكانتي عند نفسي أو يرتفع بمستواها لديه." ويضيف: "وأتساءل لماذا لم أطلب منه بيتاً وأنا أعيش بيتاً مستأجر… لماذا لم أطلب لأولادي أن يكونوا شيئاً يليق بمكانتهم ويساعدهم على مستقبلهم وهم في ريعان الشباب… ولماذا ولماذا.. وكان بميسوري أن أطلب شيئاً من هذا إن لم يكن كل هذا وكيف لا والطلب من الزعيم لم يزر في بغداد سوى بيتي… كيف لا وابنتي (ظلال) وهي أصغر بناتي ولم يكن عمرها قد تجاوز التاسعة كانت تستدعي على الهاتف عبد الكريم قاسم في أكثر من مناسبة فيهرع إليها ملبياً كل طلباتها.. كيف لا.. ومعرفة هذه الوطادة في العلاقة تجاوزت حدود العراق لتقول جريدة (اللوموند) الفرنسية العالمية والشهيرة في أحد أعداها وفي الإسبوع الأول أو الثاني من قيام الجمهورية ما يكاد يكون بالحرف الواحد أن أقوى شخصية لها الكلمة المسموعة لدى الزعيم عبد الكريم قاسم هو (الجواهري).."(1)

ويؤكد الجواهري على الخصال الحميدة للزعيم قائلاً: حقيقة كان (عبد الكريم قاسم) من أكثر أقرانه نظافة ومن أكثرهم وطنية ومن أشدهم انتماءاً للفقراء وهو من بيئة فقيرة انسحبت جرائر بؤسها على كل مراحل حياته.. كما انه عدو الإستعمار بكافة أشكاله والبريطاني منه بخاصة.. وكان متوقد الذكاء.."
ولكنه وكعادته في كل هذا الفصل، ما أن يذكر الجواهري شيئاً من حسنات الزعيم حتى ويتبعها بمساوئ دون إثبات. فبعد ذلك المديح يأتي دور الذم لإبطال المحاسن فيضيف في نفس الفقرة: "…إضافة إلى إنه يتمتع بشخصية قوية يتستر خلفها دهاء يعتمد في باطنه على تصفية الخصوم وتحطيم مراكز القوى بهدوء وذكاء وإحتيال أيضاً."(2)
هنا يتهم الجواهري الزعيم بالدهاء والإحتيال على تصفية الخصوم. هذه التهمة لا يمكن لها أن تصمد أمام أي مناقشة منصفة، لأنها تتناقض مع ما هو معروف عن تاريخ الرجل، وخاصة نظافته ووطنيته اللتين أكد عليهما الجواهري نفسه. فالنظافة والإحتيال لا يجتمعان في شخص واحد. وبعكس الجواهري، هناك أناس يتهمون الزعيم بالتساهل مع خصومه إلى حد السذاجة، ويعتبرون هذا التساهل سبباً في نهايته ونهاية جمهورية 14 تموز، إذ كان شعاره المعروف عفا الله عما سلف والعفو عند المقدرة والرحمة فوق القانون وقد عفا حتى عن الذين قاموا بمحاولة إغتياله.
يقول السيد ظاهر حبيب عن كره الزعيم للعنف في مواجهة الخصوم: "إنني إذ أنسى فلا أنسى وقفة الزعيم الشهيد يوم اجتمعنا في ذلك الحشد الكبير في سينما الخيام في الباب الشرقي وكان الحضور يهتفون بشعار: (إعدم إعدم)، وإذا به ينهض كالأسد الهصور ليصرخ: اطلبوا أي شيء إلا الإعدام. نعم أرادوه أن يكون دموياً. " (3)
أجل، كان الزعيم حمامة سلام بثوب نسر.. على حد تعبير الأديب العراقي ذوالنون أيوب. فقاسم معروف ببساطته وبأنه أول حاكم عراقي يبشر بروح التسامح وعفا الله عما سلف.

أما فيما يخص طلبات الجواهري لنفسه فإنه لم يقدم طلباً للزعيم بهذا الخصوص، ومع ذلك يحاول إلقاء اللوم على الرجل في ذلك. ومن طلباته التي لم يسأل الزعيم عنها أهمها كما يقول: "وأتساءل لماذا لم أطلب منه بيتاً وأنا أعيش بيتاً مستأجر… لماذا لم أطلب لأولادي أن يكونوا شيئاً يليق بمكانتهم ويساعدهم على مستقبلهم وهم في ريعان الشباب… ولماذا ولماذا..". أود أن أعلق على بعض هذه الطلبات التي لم يقدمها الجواهري ويحاول إلقاء اللوم فيها على الزعيم:
أولاً، البيت: يشكو الجواهري من أنه كان يسكن بيتاً مستأجراً ويعاتب قاسم على ذلك. ولكن هل كان قاسم نفسه يملك بيتاً لنفسه؟ ألم يسكن هو مع عائلة أخيه حامد وفي بيت مستأجر؟ وهل كان بإمكانه أن يهب البيوت كما فعل البكر وصدام حسين فيما بعد، يهبون البيوت وسيارات المرسيدس والأموال والمناصب للأقرباء والمقربين والإنتهازيين، ولكل من ابتذل في مدحهم، ويسمونها من "مكرمات الرئيس"؟
ثانياً، لم يطلب شيئاً لأولاده: كان لحامد (شقيق الزعيم عبد الكريم قاسم)، عدد من الأولاد، أكبرهم اسمه عدنان. وكان في العشرين من عمره آنذاك. وكان يبحث عن عمل ولم يسأل عمه الذي كان رئيساً للوزراء وقائداً للثورة، عن وظيفة ولم يستغل العم (الزعيم) هذا منصبه، لمنفعة أولاد أخيه حتى ولو بتعيينهم في أبسط الوظائف. وبعد عامين من الثورة حصل عدنان على عمل ميكانيك في أحد  الكراجات في بغداد، وبدون أي توسط من عمه الذي كان رئيساً للوزراء. فهل هذا الموقف في عدم التوسط وعدم التمييز بين أولاد أخيه وأولاد الآخرين من أبناء الشعب صفة تدل على النزاهة أم اللامبالاة، تستحق الثناء أم الذم؟
ثالثاً، كذلك ذكر الجواهري أنه لم يطلب من الزعيم منصباً: لو طالب الجواهري الزعيم بذلك أو حتى لو قدم إشارة خفيفة عن رغبته بذلك، فكان من المؤكد أن الزعيم الذي أجزل في تحقيق جميع طلباته لمساعدة الآخرين، حسب اعتراف الجواهري نفسه، لربما استجاب له في ذلك الطلب أيضاً ومنحه المنصب الذي يريد.
ولكن هناك حقيقة تاريخية في هذا الخصوص جديرة بالذكر. كان للزعيم أخ أكبر منه اسمه عبد اللطيف قاسم الذي كان برتبة (نائب ضابط)، يعمل في هندسة القوة الجوية. وبقي عبداللطيف نائب ضابط إلى أن تقاعد ودون أن يستغل منصب أخيه كرئيس وزراء وقائد ثورة والقائد العام للقوات المسلحة، ووزير الدفاع، في الترفيع أو منصب أرقى… كما حصل في عهد عارف والبكر وصدام حيث منحوا أنفسهم رتبة مشير ومهيب، والكل يعرف أن صدام حسين لم يخدم يوماً واحداً في الجيش. كما وتم منح عرفاء فاشلين من أقرباء صدام مثل حسين كامل وعلي حسن المجيد رتبة فريق لكل منهما. أما الزعيم عبد الكريم قاسم فقد طبق العدل حسب القِدَم حتى على نفسه ولم يقفز يوماً واحداً في الترفيع.
وهنا يطرح السؤال المهم: لماذا اتخذ الجواهري هذا الموقف المعادي من الثورة ومن الزعيم بالذات.. ومن يومها الأول أو الثالث على حد تعبيره، وخاصة عندما ألقى نظرة على أسماء الوزراء؟؟
للإجابة على هذا السؤال، يجب أن نتجرد من العواطف والمبالغة في تعظيم الأفراد ومهما كانوا، إلى حد التأليه والعياذ بالله. فالجواهري رغم عظمته في الشعر إلا إنه بشر غير معصوم، ولا يمكن أن نجرده من صفات البشر في أحكامه وطموحاته الشخصية، ولا يمكن أن يؤخذ كقياس للعدالة في إصدار الحكم على الآخرين، فهو شاعر والشاعر عاطفي أكثر من غيره كما هو معروف.
فالحقيقة التي لا يريد الجواهري ذكرها هي أنه كان يطمح في أن يكون وزيراً في حكومة ثورة 14 تموز، وكان يتوقع أن يكون اسمه في قائمة الوزراء. ولما وصل بغداد من علي الغربي، وألقى نظرة على قائمة الوزراء فتشاءم منها على حد قوله، وعندها قال: "فقد كنت الوحيد الذي قرأ الفاتحة عليها وأنا أسمع أسماء الوزراء في وزارتها…". (الجواهري، ذكرياتي، ج2، ص161). ويضيف: غير إن ما تحدثت به عنها أستطيع أن أترجمه الآن وبعد ثلاثين سنة على قيام تلك الجمهورية وملخص "إن علاقتي بتلك الجمهورية كانت منذ ولادتها ولادة بائسة فاشلة مقهورة بل ومسحوقة كولادة زعيمها..".
وأخيراً، وجدنا الجواب حول عقدة الجواهري من الثورة والزعيم قاسم بالذات عند أديب عراقي معروف ومحترم من قبل الجميع ومن مختلف الاتجاهات السياسية والثقافية العراقية، وكان صديقاً مقرباً للجواهري، وإبن مدينته النجف الأشرف، أقام في السويد بعد فراره من حكم البعث، والذي كشف لنا السر وراء حقد الجواهري على الزعيم وألحّ في البداية بعدم ذكر إسمه إلا بعد وفاته. ولكنه غيَّر رأيه وسمح لنا بذكر إسمه في حياته، متمنين له العمر المديد، وهذا الأديب هو الأستاذ عبدالغني الخليلي*
  الذي أخبر الصديق الدكتور عقيل الناصري، انه عندما وصل الجواهري إلى بغداد في سيارة خاصة بعثها له الزعيم لنقله من محل إقامته في علي الغربي، ألقى نظرة على قائمة الوزراء التي كان يتوقع أن يكون أسمه من بينهم، ولما لم يجده، أصيب بخيبة أمل وغضب، وقال بانفعال شديد: (ألا تعساً لحكومة لم يكن فيها الجواهري وزيراً)، ويقول أنه بصق على القائمة!!. ومنذ ذلك الوقت ضمر الجواهري في نفسه مشاعر الحقد والعداء ضد الزعيم عبد الكريم قاسم كما هو معروف في مذكراته رغم تودد الزعيم له واستجابته لكافة طلباته، كما يعترف هو بذلك. إذن فموقف الجواهري السلبي من ثورة تموز وقائدها يعود إلى أسباب ذاتية عاطفية بحتة، وليست موضوعية وحتى دون أن يعرفها الزعيم.

والحقيقة، فعندما نقرأ (ذكريات) الجواهري، نحتار من موقفه من الثورة وقائدها.. فهل هو يمدح الزعيم بصيغة الذم أم يذمه بصيغة المدح!!. فمشكلة الجواهري أنه يقوم بمهمة صعبة جداً، مهمة تشويه سمعة زعيم نظيف على حد قوله، لإلصاق أبشع المساوئ به دون أن يستطيع إثباتها. لذلك وليحصل على ثقة القارئ، يحاول الجواهري إظهار نفسه كمؤرخ منصف لا يغمط حق أحد، لذلك نراه لم يبخل بذكر محاسن الرجل وهي كثيرة، ولكن ليتبعها بسيل من المساوئ لإلغاء المحاسن. وهنا أقتبس بعض الفقرات على سبيل المثال لا الحصر في هذا الصدد من ذكرياته، فيقول: " …غير إني أستطيع التأكيد ثانية أن عبد الكريم قاسم كان يملك ضميراً حياً ونزاهة نادرة، وبساطة في اللباس والحياة والمأكل، مما جعله يضاف إلى قائمة المترفعين عن المظاهر والمكاسب وجاه الثورة وهو ما أغفله الكثيرون من الكتاب والصحفيين والمؤرخين… وأراها مناسبة للقول أن الكثيرين من هؤلاء لم يتعاملوا مع التاريخ ولا بأمانة مع واقع حال هذا الرجل وكثيرون منهم كتبوا إما بدوافع سياسية أو بدوافع شخصية أو بدوافع مصلحية … الأسباب التي جعلت أكثرهم يبتعد عن الحقيقة… ولذلك لم أعتمد أحداً منهم وأنا أكتب تاريخ هذا الرجل إلا القلة النادرة ".(4)
وبعد هذا الثناء الجزيل الجميل على الزعيم، وذم من كتب عنه بدوافع شخصية ومصلحية، نراه يختار بعض النماذج من هؤلاء الذين كتبوا عن الزعيم وممن حاولوا الإساءة إليه وفي ظروف صعبة تحت حكم من ساهم في محاولة اغتيال قاسم. فيستشهد مثلاً بجاسم كاظم العزاوي الذي قال عن الزعيم: "إن ثقافته كانت محدودة ولذلك كان يشطح أحياناً في خطاباته وتعليقاته وكان يسد هذا النقص من ذكائه وتحمله المشاق، وهو شخص كتوم وحذر جداً لا يختلط بأحد قبل الثورة. لا يدخن لا يشرب الخمر ولا توجد عنده جوانب خلقية سيئة كما يدعي البعض.. وكان زاهداً في المال فلم يستغل منصبه لاقتناء الأموال والعقارات وإنما جاء بملابسه العسكرية ومات بها ولم توجد له عقارات أو أموال في البنوك سواء داخل العراق أو خارجه سوى دينار ومائتي فلس في مصرف الرافدين.."(5)
إن الفقرة التي استشهد بها الجواهري لم تكن كلها ضد الزعيم ما عدا ما يخص ثقافته. كان على الجواهري وهو شاعر العرب الأكبر أن يسأل نفسه، هل كان جاسم العزاوي هو أنسب شخص لتزكية الزعيم من الناحية الثقافيه؟ وهل بإمكان العزاوي فهم ما تعنيه كلمة الثقافة ويقدم تعريفاً مقبولاً لها؟ ألا يعتقد أن العزاوي كتب ذلك ليسلم جلده من بطش النظام الحاكم الذي ساهم رئيسه في إغتيال الزعيم؟ وقد جئنا على ما قاله آخرون من المثقفين الحقيقيين الذين شهدوا في صالح الزعيم عن ثقافته مثل حسن العلوي، ومحمد حديد، وقاسم حسن، غيرهم كثيرون في مكان آخر من هذا الكتاب.

التشكيك في ولاء قاسم للعروبة
ثم تأتي الطامة الكبرى عندما يعتمد الجواهري على نموذج آخر ممن يثق بصدق كتاباتهم ونواياهم في الطعن بموقف الزعيم من العروبة والقومية العربية فيقول: ومثل ذلك وبعيداً عن التحيّز ما كتبه (نعمان ماهر الكنعاني)، سكرتير عبد الكريم قاسم لشؤون الصحافة حين كتب يقول: "عبد الكريم كان يحقد على القومية العربية منذ البداية، وإن ما قيل إن إذاعات القاهرة ودمشق أثارت فيه هذه النزعة قول مردود فإنه لا يميل حتى إلى سماع اسم العروبة" (كذا) ويطنب الجواهري في مدح الكنعاني فيقول: "فهو من القلائل الذين أحترم نزاهتهم وأعرف خلوص نياتهم..".(6)
ويفسر نعمان ماهر الكنعاني، الذي يثق الجواهري بنزاهته كثيراً، سبب عداء قاسم إلى العروبة، حسب زعمه، فيقول: "ويبدو لي أن السبب ناتج عن عاملين: الأول-عامل شعوري بأنه منحدر من أصل غير عربي (كذا). الثاني- عامل ذاتي نتيجة مقتل ابن عمته، اللواء محمد علي جواد قائد القوة الجوية في عهد بكر صدقي ثم قتله مع بكر صدقي على يد القوميين العرب في مدينة الموصل". فمن قراءتنا لسيرة عبد الكريم قاسم نعرف أن والده عربي من عشيرة الزبيد وهي من عشائر شمَّر، ووالدته من عشيرة السواكن التابعة إلى تميم. وكلتا العشيرتان عربيتان أصيلتان ولم يستطع أي إنسان مثقف أن يشكك في أصالة وعروبة هاتين العشيرتين إلا السيد نعمان ماهر الكنعاني والذي يثق به الجواهري كثيراً ولأسباب لا يعرفها إلا هو. فأي جزء من قاسم كان منحدراً من أصل غير عربي؟
أما السبب الثاني وهو إن ابن خالته اللواء محمد علي جواد قد قُتِل على يد القوميين في الموصل ولذلك حقد قاسم على القوميين، فقول مردود وبلا معنى، لأن قاسم قد خدم حركة التحرر العربية أكثر من غيره وقرب إليه أبناء الشهداء الضباط القوميين من حركة 1941، ورد لهم الإعتبار كما مر بنا في فصل سابق. ويرد المرحوم محمد حديد (وزير المالية) على هذه التهمة فيقول: "أرى إن عبدالكريم قاسم قرَّب الشيوعيين بسبب ضغط القوميين عليه رغم أنه كان وحدوياً بلا اندفاع." (7)
نعم كان قاسم قومياً بلا عواطف شرقية، ووحدوياً بلا إندفاع، ويشهد بذلك القوميون أنفسهم وعلى رأسهم الرئيس الأسبق الفريق عبدالرحمن محمد عارف.(8)
والجواهري هو آخر من يحق له توجيه تهمة معاداة القومية العربية والعروبة لعبد الكريم قاسم، وأن يزج بنفسه في التشكيك بعروبة قاسم، وتوجيه تهمة الشعوبية له. وقد ناقشنا هذه التهمة التي لم تصمد أمام أبسط محاكمة في فصل سابق، خاصة والجواهري نفسه كان ضحية من ضحايا هذه التهمة اللئيمة وقد عانى منها كثيراً في حياته على يد ساطع الحصري الذي خصص الجواهري أكثر من مائة صفحة في الجزء الأول من مذكراته كاشفاً عن هذه المعاناة. ومنذ زمن الحصري إلى يومنا هذا بقيت تهمة الشعوبية ومعاداة القومية العربية والتشكيك في عراقية الجواهري وعروبته قائمة ضده، ومازال أقاربه  وكل من يحمل لقب (الجواهري) في العراق محرومين من شهادة الجنسية العراقية إلا في حالات نادرة، بسبب تلك التهمة الظالمة وما ينجم عنها من تبعات ومعاناة. وإذا كان هذا رأي الجواهري عن قاسم، وهو الذي عانى من تهمة الشعوبية ومعاداة العروبة، فماذا نقول عن الذين ساهموا في قتله؟

 دفاع الجواهري عن العهد الملكي
والغريب أيضاَ، أن الجواهري الذي ملأ الدنيا ضجيجاً، وكرّس جل شعره لتحريض الشعب على الثورة ضد النظام الملكي منذ تأسيسه عام 1921 وحتى سقوطه في يوم 14 تموز 1958، ليأتي بعد ثلاثين عاما من سقوطه يشتم تلك الثورة، مدافعاً عن النظام الملكي ويحاول إيجاد المبررات لسياساته التعسفية  وهو في الثمانينات من عمره.
فبعد أن يستعرض الوضع الملكي وعلاقته بالشعب وأحزاب المعارضة بإيجاز، يقول في مجال تبريره لسلوك الحكم الملكي: "وطبيعي أن تكون هناك كما هو كائن على مدى التاريخ وسواء في هذا النظام أو غيره وبخاصة ففي المناطق المتخلفة أن تكون أهواء وشهوات وفتن وانتفاضات وسجون ومعتقلات ومحاكم عسكرية وأحكام عرفية وحالات طواريء وأن تكون إلى جانب كل سجن أو معتقل أو محكمة مدنية واحدة (بدائياً ثم استئنافياً) ثم تمييزاً، وأكثر من بناية في هذه المدينة أو تلك للمحامين لمن يحمون عن هذا المتهم وذاك المعتقل أو ذاك السجين.. هذا الستار الذي مزقه عبد الكريم قاسم .."(9)
إذا كان الحكم الملكي يتمتع بكل هذه الفضائل، فلماذا شن الجواهري حربه الضروس ضده وهو القائل:
أنا حتفهم ألج البيوت عليهم أغري الوليد بشتمهم والحاجبا
وهو الذي قال في مناسبة أخرى:
سلام على غمرات النضال   سلام على سابح ماهر 
عنود يصارع لُج الخطوب   وصخاب آذيها الزاخر
سلام على مثقلٍ بالحديد     ويشمخ  كالقائد  الظافر
كأن القيود على  معصميه    مفاتيح  غدٍ     زاهر

أليس هذا تحريضاً للثورة على الحكم الملكي؟ ولماذا يبرئ المحرضون أنفسهم بعد أن سارت الأمور بإتجاه معاكس؟ المشكلة أن ليس الجواهري هو وحده الذي تنصل عن الثورة بعد اغتيالها وفشلت في تحقيق أهدافها، بل معظم المثقفين الذين ناصبوا العهد الملكي العداء وعدّوه حكما إستعمارياً لعيناً شريراً يجب إزالته، راحوا يلومون هذه الثورة ويلقون عليها كل مساوئ البعث ويحملونها جرائم البعث الصدامي، وفي نفس الوقت يختلقون التبريرات للنظام الملكي ويعتبرونه أنه كان نظاماً ديمقراطياً مستقراً وزاهراً، لولا عبدالكريم قاسم جاء وأجهض هذا المشروع الوطني الواعد. والسؤال الذي نوجهه إلى كل هؤلاء، إذا كان العهد الملكي يمثل كل هذا الخير المطلق، فلماذا كنتم تحرضون الشعب على الثورة ضده؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1- محمد مهدي الجواهري، ذكرياتي،، ص172-173
2- نفس المصدر، ، ص 172-173
3- ظاهر حبيب،  صحيفة المؤتمر-لندن، العدد 46 يوم 1/4/1994.
4-الجواهري، نفس المصدر، ج2  ص179.
5- الجواهري، نفس المصدر، ج2  ص181.
6- الجواهري، نفس المصدر، ج2  ص180-181.
7- علي كيم سعيد، عراق 8 شباط، مقابلة مع محمد حديد في لندن 1998، ص 111.
8- راجع  تصريحات عبدالرحمن محمد عارف ، صحيفة القمة، العدد 5، 20/1/2001).
9- الجواهري، ننفس المصدر، ص186.

  


1349 عدد مرات القراءه

 
آخر مقالاتي
داعش تفجر جامع النوري في الموصل
  أقدمت القوى الظلامية البعثية الداعشية على جريمة أخرى تضاف إلى القائمة الطويلة من جرائمها بحق الشعب العراقي والإنسانية، والرموز التاريخية والمعالم الحضارية. وآخر جريمة قام بها تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش)، هي جريمة المزيد
غاليري الصور
 
جميع الحقوق محفوظة للدكتور عبدالخالق حسين ©
Powered & Developed by: TRE-CMS - The Red Elephant Content Management System The Red Elephant