إبحث في الموقع  
الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين
 

الخلاصة والإستنتاج

أرسل إلى صديق ارسل لصديقك نسخة للطباعة اطبع


الخلاصة والإستنتاج

كانت ولادة الدولة العراقية عسيرة منذ البداية، إذ تمت من خلال عملية جراحية قيصرية. فبدأت بالحرب العالمية الأولى، والاحتلال البريطاني وتحريره من الحكم العثماني التركي، ثم ثورة العشرين (30 حزيران 1920)،التي كانت السبب الأساسي لتأسيس الدولة الحديثة على أيدي الإنكليز والضباط الشريفيين، والملك فيصل في ظروف صعبة بالغة التعقيد. لذلك ولدت الدولة العراقية في ظروف قاسية، ناقصة الإستقلال والسيادة الوطنية. وكذلك تطورها كان عسيراً حيث مر عبر انتفاضات شعبية، ووثبات وطنية، وإنقلابات عسكرية طيلة العهد الملكي من أجل إستكمال نواقصها.
كانت السنوات العشر الأولى هادئة نسبياً بفضل قيادة ودهاء وحكمة الملك فيصل الأول، الذي اعتمد أسلوب التطور السلمي التدريجي لبناء الدولة ومؤسساتها، حيث استطاع بحنكته أن يهدئ قادة المعارضة ويخفف من اندفاعهم، ناصحاً إياهم أن لا يقوموا بعمل يسيء إلى أمن وتطور البلاد، يطمئنهم أن كل ما يبتغونه سوف يتحقق ولكن مع الزمن على شرط أن لا يلجئوا إلى العنف. فكان يلتقي باستمرار مع مختلف الأطراف السياسية والدينية ورؤساء العشائر، ويحاورهم، ويبني الجسور معهم. وبهذا الأسلوب استطاع فيصل أن يبني مملكة حديثة بمؤسساتها الدستورية بدون هزات عنيفة خلال حكمه. ولكن لسوء حظ الشعب العراقي أن توفى الملك عام 1933 في وقت مبكر من عمره، وقبل أن تكتمل الديمقراطية ومؤسساتها المدنية ولتصبح تقليداً يحترمه القادة السياسيون، سواءً في السلطة أو المعارضة.

وبعد وفاة فيصل الأول، تولى العرش ابنه الملك غازي الذي كان مليئاً بالحماس والوطنية وحب الشعب، إلا إنه كان يفتقر إلى النضج والثقافة والخبرة السياسية. ومن أخطاء الملك الشاب القاتلة، أنه أعلن العداء صراحة للإنكليز، وأبدى ميلاً واضحاً إلى دول المحور وعلى رأسها ألمانيا النازية، أيام الصراع العنيف بين دول المحور ودول الحلفاء، ومطالبته بالكويت، الأمر الذي أدى إلى مصرعه عام 1939 في حادث اصطدام سيارته التي كان يقودها هو بعامود كهربائي يعتقد أنه دبر له بدهاء للتخلص منه.
بعد مقتل الملك غازي، تسلطت على الحكم مجموعة محدودة من السياسيين سرعان ما نشبت بينهم  صراعات سياسية بسبب المنافسة على الحكم أدت إلى بروز عبدالإله الذي كان وصياً على العرش، ونوري السعيد الذي صار رئيساً للوزراء لأربعة عشر مرة. وتسلط هذا الثنائي على السلطة لمدة عشرين عاماً. وكان نوري السعيد هو الرئيس الفعلي للحكومة حتى في الأوقات التي ما كان فيها على رأس الحكومة.
تخلت قيادة السلطة بعد وفاة الملك فيصل الأول عن سياسة اللقاء والحوار مع قادة المعارضة التي تبناها الملك الراحل، فاعتمد الوصي ونوري السعيد على سياسة القمع والسجون والتنكيل والتعذيب وحتى الإعدام وإسقاط الجنسية عن كل من يبدي معارضة لسياساتهما. وكان السعيد يعتقد واهماً أن "دار السيد مأمونة"، حسب تعبيره المعروف، أي لا خطر على سلطته معتمداً وبثقة عالية على القوات المسلحة في قمع المعارضة وعلى رجال الإقطاع في إدارة الدولة. ورغم كون النظام كان ديمقراطياً ودستورياً في الظاهر، إلا إنه كان ديكتاتورياً إقطاعياً في الجوهر.
خلال أربعة عقود من الحكم الملكي، حصل تطور كبير في المجتمع العراقي، ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، إلا إن السلطة الملكية رفضت بشدة إجراء أي تغيير ديمقراطي في إشراك المثقفين والطبقات الصاعدة، البرجوازية خاصة، والفئات المثقفة في السلطة بما يلائم هذا التطور، و وقفت بشدة ضد أي تغيير ديمقراطي ولو تدريجي. إضافة إلى ما تقدم، كان نوري السعيد وعبدالإله يعلنان صراحة سياسة موالية للإستعمار البريطاني وضد تطلعات الشعب العراقي والشعوب العربية والسلام العالمي وفق المفهوم السائد آنذاك. فكانت سياستهما ترمي إلى ربط العراق بالمعاهدات الإستعمارية المذلة والأحلاف العسكرية المجحفة. ولم يكن نوري سعيد يهتم بالإعلام المضاد، فلم يعر اهتماماً بلقاء معارضيه ليشرح لهم أغراض وفوائد علاقاته بالغرب، أو يهتم بإقناعهم بجدوى سياساته تلك.
كذلك تبنت السلطة الملكية-السعيدية موقفاً معادياً لتطلعات الشعوب العربية أيام كان الجو العام في المنطقة العربية في غليان، وبلغ الأوج في موقف السلطة المؤيد للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 بعد إقدام الرئيس المصري جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس، ذلك الموقف الذي دفع عدداً كبيراً من الضباط العسكريين من مختلف الاتجاهات السياسية للانتماء إلى تنظيمات الضباط الأحرار. وكذلك قيام الأحزاب الوطنية والقومية المعارضة بتشكيل جبهة الإتحاد الوطني عام 1957، وتبنى التنظيمان، العسكري والمدني، إسقاط السلطة بالقوة لغياب الوسائل السلمية في تحقيق التغيير المطلوب.
 
لم يستجب الحكم الملكي لتلبية حاجات جماهير الشعب المعيشية ومتطلبات التطور التاريخي، وقد بلغ الأمر إلى أن استنفد هذا الحكم مبررات وجوده. لذلك سقط في صبيحة يوم 14 تموز 1958 بزحف القوات العسكرية على العاصمة بغداد. وربما كانت العملية إنقلاباً عسكرياً في ساعاتها الأولى، ولكن بعد إذاعة بيانها الأول اندفعت الجماهير الغفيرة في جميع المدن العراقية لتأييدها بحماس ودعمها وأحالتها إلى ثورة شعبية، بحيث لم يتجرأ أي مؤيد للحكم الملكي أن يتقدم للدفاع عنه. وبذلك حولت الجماهير تلك العملية من إنقلاب عسكري إلى ثورة شعبية، وبقيت كذلك حتى إغتيالها في إنقلاب 8 شباط 1963. كذلك المنجزات التي تحققت بعد تلك العملية أعطتها صفة الثورة حسب شهادة عدد من الباحثين الأكاديميين الأجانب.
واجهت الثورة عبئاً هائلاً من المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حيث أرادت القيادة السياسية الجديدة بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم حل معظم هذه المشاكل وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب والمنجزات وفي غضون فترة قصيرة. كل ذلك أدى إلى حصول صراعات بين طبقات وشرائح المجتمع، بين المستفيدين من هذه المكاسب مثل الطبقات الفقيرة، الفلاحين والعمال والطلبة، والمرأة من جهة، والمتضررين منها مثل شيوخ الإقطاع والملاك الكبار، والشركات النفطية الاحتكارية، والقوى الأجنبية. ولعل من أكبر أخطاء قاسم التي عجلت بسقوطه هو القانون رقم 80، ومطالبته بالكويت رغم أنه لم يحرك جندياً واحدا لتحقيق مطلبه هذا.
احتدم الصراع الدموي بين أطراف الجبهة، أحزاب التيار القومي العربي التي أرادت الوحدة الفورية الإندماجية مع العربية المتحدة من جهة، والأحزاب والأطراف الوطنية الأخرى التي رفعت شعار الإتحاد الفيدرالي والتركيز على التنمية وحل المشاكل الوطنية أولاً، وثم تحقيق الوحدة العربية فيما بعد وتدريجياً وبأسلوب ديمقراطي من جهة أخرى. كما وأنعكس هذا الصراع على قيادة الثورة من العسكريين منذ أيامها الأولى حيث انشقت إلى جناحين: جناح مؤيد إلى عبدالكريم قاسم، والآخر مؤيد إلى عبدالسلام محمد عارف، انتهى إلى تنحية عارف. لقد لعبت القيادة المصرية الناصرية دوراً فعالاً في خلق هذا الصراع ضد الثورة العراقية وذلك عن طريق تحريض الضباط القوميين وتدبير المؤامرات ودعمها مالياً وعسكرياً وإعلامياً وسياسياً، مما خلقت إرباكاً لقيادة الثورة وعرقلت مسيرتها ومهدت الطريق لإسقاطها.
كذلك الدول الإقليمية، إيران خاصة، التي أصابها الذعر والخوف من وصول عدوى الإجراءات الثورية مثل الإصلاح الزراعي إلى بلدانها، والدول الغربية التي خافت على مصالح شركاتها النفطية الاحتكارية وخاصة خوفها من قانون رقم 80. وقد أصاب الهلع مختلف الأطراف، الداخلية والخارجية، من اتساع  نفوذ وشعبية الحزب الشيوعي واحتمال صعوده للسلطة. واشتد هذا الصراع في أوساط العسكريين القوميين مما دفعهم للقيام بحركات مسلحة ضد قيادة الثورة كما حصل في حركة الشواف في الموصل في آذار 1959. وهذه الحركة دفعت حكومة الثورة إلى إعدام العديد من القائمين بها والمخططين لها من الضباط، الأمر الذي دفع الضباط القوميين الآخرين بشكل أكثر للتخطيط من أجل الإطاحة بالسلطة للثأر والانتقام لرفاقهم من قاسم والشيوعيين. إن حصول الحزب الشيوعي العراقي على شعبية واسعة بين الجماهير قد أثار الرعب والهلع في نفوس جميع الأطراف المعادية للشيوعية في الداخل والخارج، مما أدى إلى تحالف أكثر من أربعين جهة دولية وعربية وعراقية ضد الثورة وتكللت تلك الجهود في الإنقلاب العسكري الدموي يوم 8 شباط 1963، بالإطاحة بحكومة الثورة وقتل قادتها وعلى رأسهم الزعيم عبدالكريم قاسم.
لم يكن التأخير في إنهاء الفترة الإنتقالية، والمباشرة بإجراء الإنتخابات البرلمانية، سبباً للإطاحة بالثورة كما يعتقد البعض، لأنه لو أجريت هذه الإنتخابات وتم بناء المؤسسات المدنية الديمقراطية بعد سنة من عمر الثورة، لحقق قاسم نصراً ساحقاً بإنتخابه رئيساً للجمهورية لِما كان يتمتع به من شعبية واسعة. وكذلك كان من السهولة أن يحرز الشيوعيون على أكثر من نصف المقاعد البرلمانية. وهذا يعني قيام حكومة يسارية بأغلبية شيوعية في العراق، الأمر الذي لا يمكن أن تتساهل معه الجهات الدولية والإقليمية في مرحلة الصراع بين المعسكرين، الغربي بقيادة أمريكا، والشرقي بقيادة الإتحاد السوفيتي على مناطق النفوذ حتى ولو كانت منتخبة ديمقراطياً. ولو تحقق ذلك لعجَّل بالإنقلاب العسكري ضد الحكومة الديمقراطية المنتخبة كما حصل في إيران ضد حكومة مصدق عام 1954، وحكومة السيلفادور الليندي في شيلي عام 1973 وغيرهما من الأنظمة الديمقراطية التي أطيح بها بإنقلابات عسكرية من تدبير المخابرات الغربية والرجعية الداخلية، إذ لم تكن الديمقراطية تحظى بالإحترام والدعم في تلك المرحلة المتخلفة، ولم يكن ممكناً السماح لحزب شيوعي أن يحقق هذه المكانة السياسية في العراق حتى ولو جاء للحكم عن طريق صناديق الإقتراع السري، لأن العراق يمثل قلب الشرق الأوسط، والغني بثرواته النفطية في وقت كانت الحرب الباردة على أشدها.
وبناءً على كل ما تقدم، كانت ثورة 14 تموز 1958 حتمية بسبب سياسات حكومات العهد الملكي المعارضة للتغيير التدريجي سلمياً، وكذلك سقوطها كان حتمياً بسبب تعقيدات الوضع وعدم النضج السياسي لدى القوى الوطنية والقومية، وتشابك المصالح الطبقية والشركات الإحتكارية والحكومات الإقليمية والدولية، وتخلى الديمقراطيون عن عبدالكريم قاسم، وعاداه العسكريون القوميون، مما أدى إلى تحالف الجهات الخارجية والداخلية ضده، وتكللت تلك الجهود بإنقلاب 8 شباط 1963 الذي أطاح بالثورة وأجهض تجربة تقدمية رائدة لو كتب لها الإستمرار لحقق العراق قفزات كبرى في طريق الديمقراطية والتقدم والإستقرار. ومنذ ذلك اليوم (8 شباط 1963) تسلطت على العراق فئة الأقلية من التيار القومي العروبي التي ربطت آيديولوجية القومية العربية بالديكتاتورية والعنصرية والطائفية. وبلغ الظلم أقصاه في عهد صدام حسين الذي زج بالبلاد في حروبه العبثية وأتى على كل ما بنته الأجيال السابقة من عمران.
وإذا ما أردنا تجنب تكرار دورات العنف بعد سقوط النظام البعثي الصدامي، وتحقيق الإستقرار والتقدم والرفاه الإقتصادي، ونظراً لما أحتلته الديمقراطية من مكانة محترمة في العالم اليوم، وانتهاء الحرب الباردة، وحصول قناعة لدى الأغلبية أن الديكتاتورية هي سبب الكوارث، لذلك يجب اختيار النظام الديمقراطي التعددي الفيدرالي في عراق ما بعد صدام، وتبني سياسة التسامح، وحق الإختلاف، وتجنب التمييز الطائفي والعنصري، والتركيز على الهوية الوطنية العراقية دون إلغاء خصوصية التنوعات القومية والدينية والمذهبية، وإقرار الحقوق القومية لمكونات الشعب العراقي، ومنع تسييس العسكر، وتحريم العنف المسلح في حل الخلافات السياسية، ومنع منتسبي القوات المسلحة من ممارسة السياسة. أما إذا رغب أي عسكري في ممارسة العمل السياسي، فعليه أن يستقيل من القوات المسلحة ويتفرغ لعمله السياسي.
وتبقى ثورة 14 تموز 1958 علامة مضيئة، ومن أبرز الأحداث الوطنية التاريخية الكبرى في تاريخ العراق الحديث.


1013 عدد مرات القراءه

 
آخر مقالاتي
العراقيون ولاؤهم لمن؟ ولماذا؟
أرسل لي صديق أكاديمي، وهو عالم لامع، وأستاذ في إحدى الجامعات الإنكليزية العريقة، ومهتم بالشأن العراقي، ومتابع لحيثياته، تعقيباً على مقالي الموسوم: (هل حقاً كان العهد الملكي ديمقراطياً، واعداً ومستقراً؟)(1)، ونظراً لأهميته، أنقله كاملاً: المزيد
غاليري الصور
 
جميع الحقوق محفوظة للدكتور عبدالخالق حسين ©
Powered & Developed by: TRE-CMS - The Red Elephant Content Management System The Red Elephant