إبحث في الموقع  
الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين
 

الطائفية السياسية (مقدمة: لماذا هذا الكتاب؟)

أرسل إلى صديق ارسل لصديقك نسخة للطباعة اطبع


المقدمة

لماذا هذا الكتاب؟


بدأت في كتابة مسودة هذا الكتاب في منتصف التسعينات من القرن الماضي، وذلك بعد متابعاتي وقراءاتي لتاريخ العراق الحافل بالهزات السياسية، فتوصلت إلى قناعة بأن للطائفية السياسية دوراً مهماً جداً، بل والأهم في عدم الاستقرار السياسي في هذا البلد. فإذا كان كارل ماركس قد اعتقد بأن التاريخ البشري هو نتاج الصراع الطبقي، فإني أعتقد أن تاريخ العراق الحديث هو نتاج الصراع الطائفي أكثر من أي صراع آخر، مع عدم إنكار الأسباب الأخرى التي اعتبرها عوامل مساعدة وثانوية للسبب الأول. لذلك أرى أنه لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي، والازدهار الاقتصادي، والتقدم الاجتماعي في العراق بدون البحث في جذور الطائفية، وتشخيصها ومعرفة أسبابها، والعمل على إيجاد العلاج الناجع لها، وإزاحتها عن الطريق وإلى الأبد.
المشكلة التي تصدم الباحث هنا هي، أن معظم المثقفين والباحثين يتجنبون الخوض في آفة الطائفية، لاعتقادهم بأن كل من يتورط في هذا الموضوع الشائك والمعقد سوف لن يسلم من تهمة الطائفية والترويج لها. كما ويرى آخرون أن في طرح مشكلة الطائفية على بساط البحث فيه ضرر على الوحدة الوطنية، وأنه من الأفضل الابتعاد عن الخوض فيها. وهناك فريق ثالث ينكرون وجودها أصلاً قبل اغتصاب البعث للسلطة، ويكتفون بإلقاء اللوم على صدام حسين وحده، المسبب لكل ما حدث في العراق من كوارث، وكأن صدام جاء من كوكب آخر وليس من نتاج هذا الشعب. فالحقيقة أن صدام وحزبه لم يأتيا من فراغ، بل من تفاعل وتداخل عوامل تاريخية، وجغرافية، وديموغرافية، واجتماعية، موضوعية وذاتية في تاريخ العراق الحديث، وما النظام الدكتاتوري البعثي الذي دمر العراق إلا نتيجة لانتصار قوى الظلام في الدولة العراقية التي تأسست على مبادئ خاطئة، فاعتمدت الطائفية والعنصرية، والقبلية، وزرعت الألغام في هياكل الدولة وبنيتها الإدارية والسياسية والعسكرية منذ تأسيسها عام 1921، لتنفجر فيما بعد وفي الوقت المناسب. وقد حدث ذلك في الماضي متنكراً بواجهات سياسية مختلفة، وحدث بعد سقوط حكم البعث عام 2003 بوجهها الطائفي الحقيقي.
وفريق رابع، وهم من أنصار البعث الصدامي بعد سقوط حكمهم، ألقوا اللوم في الاقتتال الطائفي على أمريكا، وأنكروا وجود الطائفية قبل ذلك التاريخ!! إن موقف أولئك وهؤلاء لا يقدم تفسيراً للمعضلة العراقية المزمنة فحسب، بل ويلقيها في مستنقع من الضبابية، ويضفي عليها طابعاً هِلامياً لا يصب إلا في صالح المنتفعين من الطائفية ذاتها.
ومن تجربتي الشخصية، لاحظت أني عندما أنشر مقالاً أدافع فيه عن الأقليات الدينية، والأثنية في العراق، أو في مصر عن الأقباط، أو أي مكان آخر في العالم، تصلني رسائل الثناء والإطراء على المقال. ولكن ما أن أنشر مقالاً أفضح فيه مظلومية الشيعة عبر التاريخ في العراق والبحرين والسعودية، وما يتعرض له الشيعة من حرب الإبادة من قبل الإرهاب البعثي- القاعدي في العراق، حتى وتنهال عليَّ رسائل التجريح تكيل لي الاتهام بالطائفية، والانحياز إلى الشيعة، وكأن الشيعة ليسوا بشراً ولا يجوز الدفاع عنهم في حالة تعرضهم إلى الظلم. والغريب أن معظم مرسلي هذه الاتهامات هم من الكتاب الشيعة، وهذا ناتج عن شعورهم بعقدة النقص والدونية حيث صار عندهم تعرض الشيعة إلى الاضطهاد عبر عصور، أمر مسلم به، ولا داعي لإثارته والتخلص منه، وفي عرفهم، أية إثارة لمشكلة الطائفية، خاصة من قبل كاتب صادف أن يكون من خلفية شيعية، فلا بد وأن تلصق به تهمة الطائفية والعمل على الترويج لها.
من نافلة القول أن تعدد المذاهب في أي دين مسألة طبيعية، ودليل على حيوية هذا الدين أو ذاك، ولست معنياً في هذا الكتاب في تفضيل أي المذهبين (السنة أو الشيعة)، ولا بالجانب الفقهي منهما، بل كل ما يعنيني هو فضح التمييز الطائفي، واضطهاد طائفة حاكمة متمذهبة لطائفة أخرى محكومة عبر التاريخ. لقد لعبتْ الطائفية دوراً رئيسياً في الأزمة العراقية المزمنة، ولا أغالي إذا قلت أنها أم الأزمات، ومنها تناسلت وتفرعت الأزمات الأخرى. ولطرح هذا الموضوع وتوضيحه وفضحه، لا بد من الصراحة في قول الحقيقة، إذ لا يمكن مناقشة الأزمة التي نواجهها، وإدراك جسامتها، ومخاطرها، وأسبابها الحقيقية، وبالتالي إيجاد الحلول الناجعة لها، ما لم نلتزم بالصراحة، والنزاهة، والحيادية العلمية في قول الحقيقة دون مواربة، أو تزلف، أو مداهنة، أو خوف من هذا وذاك، مع علمنا أن قول الحقيقة كاملة لا تخلو من مخاطر. فالصراع الطائفي في العراق كان يجري في السابق ولكن بصمت، وهمس، وتحت واجهات مختلفة بسبب القمع، إلى أن سقط حكم البعث، فكشفت الطائفية هذه المرة عن وجهها الحقيقي، وانفجر بدوي هائل كالبركان يقذف حمماً.
في أوائل عام 2009، استلمت دعوة من وزارة الدولة لشؤون الحوار الوطني، لحضور ملتقي فكري في بغداد لمناقشة الأزمة العراقية والذي عقد في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام، وقدمت بحثاً بعنوان (دور الطائفية في الأزمة العراقية)، والذي نشر فيما بعد في الصحف ومواقع الانترنت. والغريب أن أحد الكتاب، ورغم كونه محسوباً على الليبراليين، نشر مقالاً غاضباً أنكر فيه وجود الطائفية في العهود السابقة، واتهمني بالطائفية، ودون أن يذكرني بالاسم وألقى مشاكل الحاضر كلها على الذين حكموا العراق ما بعد البعث، ويصفهم بأقذع الصفات.

وسبب آخر دفعني لتحديث هذا الكتاب وفق المستجدات ونشره، هو ما تلقيت من تشجيع من العديد من الزملاء الكتاب والأخوة القراء الكرام الذين اطلعوا على البحث المذكور آنفاً، فاقترحوا عليَّ التوسع فيه وتحويله إلى كتاب. لذلك عدت إلى مسودات كتابي السابق، وبدأت بمراجعة فصوله وتنقيحها وتحديثها وفق ما حصل من مستجدات وتداعيات بعد سقوط حكم البعث في 9/4/2003، وانفجار الدمامل الطائفية، حيث بدأ القيح العفن يتدفق مدراراً، يزكم الأنوف، على شكل اقتتال بين أبناء الشعب الواحد والقتل على الهوية الطائفية.
ورب من يسأل: لماذا تشغل نفسك والقراء معك بالصراع الطائفي، وفي هذا الوقت بالذات حيث انشغل العالم الغربي بغزو الفضاء، وبناء محطة فضائية، واكتشاف الجينوم البشري (الخريطة الوراثية)، وأخيراً نجح العلماء الأمريكان حتى في صنع الحياة في المختبر. والجواب، هو أن هذا الكتاب ليس موجهاً للمجتمعات المتقدمة، بل هو موجه بالأساس لمجتمعنا العراقي الذي مازال في مقدمة اهتماماته قضايا مر عليها 14 قرنا. وعلى سبيل المثال: من كان الأولى بالخلافة، أبو بكر أم علي؟ فالمجتمعات البشرية ليست متساوية في درجة تطورها ونموها، ولا تسير في تقدمها الحضاري على نسق واحد، فمنها في المقدمة كما هي المجتمعات الغربية، ومنها مازالت في المراحل البدائية وأخرى بين بين في مراحل حضارية متفاوتة. ومجتمعنا العراقي، للأسف الشديد، أعيد به القهقرى خلال حكم البعث، فصار الصراع الطائفي والقبلي والإقليمي من الأمور التي تهدد المجتمع بالدمار الشامل. وفي هذه الحالة، ليس صحيحاً السكوت عن هذا الوضع بحجة أن هناك مجتمعات متقدمة جداً، فالطائفية أشبه بالعقدة النفسية المستحكمة بسلوك الإنسان، لا يمكن أن يشفى منها المريض ما لم يتم البحث في جذورها وأسبابها وبالتالي علاجها واستئصالها.
لذلك، أعتقد أنه حان الوقت لنسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، ومواجهة الحقيقة مهما كانت مرة، وتجنب سياسة النعامة في طمس رأسها في الرمال، فالمهم أن أقدم مساهمة جادة في حل الأزمة العراقية المزمنة، ورغم احتمال ما يلصق بي من اتهامات، وأكون منسجماً مع نفسي، وضميري في قول الحقيقة كما أراها لما ينفع الشعب، إذ كما ذكرت مراراً أن الطبيب الذي ينبه الناس من وباء ما، ويحذرهم منه، لا يعني أنه يعمل على تفشي هذا الوباء بينهم، بل لحثهم على الوقاية منه، فالوقاية خير من العلاج كما تقول الحكمة.
ونحن إذ نعود إلى تاريخنا، وتراثنا لا لنحبس أنفسنا في كهوفه المظلمة، أو لإثارة الأحقاد، بل لنستخلص منه الدروس والعبر، ولنفهم على ضوئه الحاضر ونتجنب مآسيه، ونخطط لمستقبل أفضل، وبذلك نحمي الأجيال القادمة من تكرار هذه المآسي. لذا، فمن الصعب الاتفاق مع الرأي القائل بأنه من الأفضل أن ننسى الماضي، وهذا في رأيي خطأ جسيم، إذ نرى الدول الأوربية تذكِّر شعوبها باستمرار بجرائم النازية والفاشية وذلك لمنع تكرارها، إذ كما قال أحد الحكماء: "الذين ينسون الماضي، محكوم عليهم بإعادة أخطائه".

************

يتكون الكتاب من مقدمة و 16 فصلاً، وخاتمة (إستنتاج)، وثلاثة ملاحق لها علاقة بالموضوع.
الفصل الأول يبحث في دور الطائفية في الأزمة العراقية، والرد بالأدلة التاريخية على الذين ينكرون وجودها. أما الفصل الثاني فيشمل نبذة تاريخية عن جذور الانقسام السني- الشيعي في الإسلام بعد وفاة الرسول (ص) مباشرة، وما حصل في الخلافة الراشدية، والأموية، والعباسية من تداعيات وانقسامات، يليه فصل عن الطائفية في عهد الحكم العثماني. ثم فصول عن الطائفية في عهد الاحتلال البريطاني، ودور الشيعة في حرب الجهاد وثورة العشرين، وموقفهم من الحكم إبان العهد الملكي، ودور ساطع الحصري في تكريس الطائفية. كما وخصصنا فصلاً عن علاقة الطائفية بالصراع الطبقي. أما الفصل الثامن فيتعلق بدور البعض من الفقهاء الشيعة في العزل الطائفي، والفصل التاسع عن الطائفية في العهد الملكي، يليه فصل العاشر عن المحاولات التي بذلت في العهد الملكي للتخلص من الطائفية، أما الفصل الحادي عشر فيبحث في محاولات التشكيك في عروبة شيعة العراق وولائهم للوطن، وتهمة التبعية والشعوبية التي ألصقت بهم، والفصل الثاني عشر: التشكيك في إسلام الشيعة، والفصل الثالث عشر عن الطائفية في العهد الجمهوري، القاسمي والعارفي، والرابع عشر بعنوان: الطائفية في العهد البعثي. ثم الفصل الخامس عشر يبحث في وضع الحلول لمشكلة الطائفية وأزمة الحكم في العراق بصورة عامة، ثم الفصل السادس عشر حول إشكالية المشاركة أو المحاصصة في السلطة ما بعد حكم البعث. وفي الختام نضع استنتاج البحث.
أما قسم الملاحق، فيضم ثلاثة مواد، نعتقد لها علاقة بمادة الكتاب، الأول: عن "حكم ولاية الفقيه"، والملحق الثاني وثيقة مؤتمر النجف للإصلاح السياسي، التي قدمها المرحوم الإمام محمد حسين كاشف الغطاء (وسميت بوثيقة النجف) في الثلاثينات من القرن الماضي، والملحق الثالث: مذكرة الشيخ محمد رضا الشبيبي في الستينات، قدمها في عهد الرئيس عبدالسلام محمد عارف.
كما وأود أن أشير هنا إلى بعض المصادر التي اعتمدت عليها في هذا الكتاب، فنحن محظوظين أننا نعيش في عصر الانترنت، إذ أصبح سهلاً على الباحث الحصول على الكثير من المعلومات والوثائق من الانترنت، ومن السهل أيضاً على القارئ الكريم أن يتأكد منها بنفسه، حيث أثبت في هوامش بعض الصفحات روابط لبعض المصادر استقتها من الانترنت، ليصبح في متناول يد القارئ، وبإمكانه أن ينضد عنوان المقال أو الوثيقة أو الرابط في مساحة البحث في الانترنت أو غوغلwww.google.com ، ليطلع على المصدر بنفسه إن أراد، وهذه نعمة لا تقدر في عصر التقنية الإلكترونية المتطورة والثورة المعلوماتية.

وأخيراً، أتمنى أن يساهم هذا الكتاب في الكشف عن مشكلة الطائفية وفضحها ودورها الخطير في الحقب الماضية، وإيجاد الحلول المناسبة لها والتخلص منها إلى الأبد من أجل تسخير طاقات الشعب وثرواته لبناء النظام الديمقراطي وتحقيق الاستقرار السياسي، والتقدم الاجتماعي والازدهار الاقتصادي، بدلاً من تبديد هذه الطاقات في صراعات مدمرة لا طائلة من ورائها.
والمؤلف يرحب بأي تعليق من القراء الكرام ويرجو مراسلته على عنوانه الإلكتروني أدناه.

عبدالخالق إسماعيل حسين
إنكلترا، 2011

 

شكر وتقدير

حين بدأت بنشر فصول هذا الكتاب على مواقع الانترنت، استلمت الكثير من التعليقات والرسائل الإلكترونية، من الأخوة الكتاب والقراء الأفاضل، معلومات جديدة، ومقترحات وجيهة، وتنبيهي على الأخطاء المطبعية...الخ، وآخرون مدوني بمعلومات عن تجاربهم الشخصية مما عانوا في حياتهم من التمييز الطائفي. كما ونشر البعض مقالات تناول فيها فصول الكتاب بالنقد البناء، ومن كل هؤلاء استفدت فائدة كبيرة لا تثمن ساعدتني على التنقيح النهائي للكتاب، وإخراجه بشكله الحالي. لذا أتقدم بالشكر الجزيل والامتنان العميق لجميع هؤلاء الأخوة على جهودهم، وأخص منهم بالذكر الأساتذة والدكاترة الأفاضل: نجم الدين غلام، وعمار البلداوي، وصاحب الربيعي، وعبدالرزاق عبود جوعان، وعادل حبه، وحسن الخفاجي، وشاكر حسن الشكرجي، وطلال شاكر، وكل من شجعني على نشر الكتاب، مع الاعتذار الشديد لمن فاتني ذكر أسمائهم.

عبدالخالق حسين


العنوان الإلكتروني Abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
الموقع الشخصي:  http://www.abdulkhaliqhussein.nl/

أرشيف مقالات المؤلف على موقع الحوار المتمدن: http://www.ahewar.org/m.asp?i=26 



3085 عدد مرات القراءه

 
آخر مقالاتي
داعش تفجر جامع النوري في الموصل
  أقدمت القوى الظلامية البعثية الداعشية على جريمة أخرى تضاف إلى القائمة الطويلة من جرائمها بحق الشعب العراقي والإنسانية، والرموز التاريخية والمعالم الحضارية. وآخر جريمة قام بها تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش)، هي جريمة المزيد
غاليري الصور
 
جميع الحقوق محفوظة للدكتور عبدالخالق حسين ©
Powered & Developed by: TRE-CMS - The Red Elephant Content Management System The Red Elephant