إبحث في الموقع  
الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين
 

العولمة حتمية تاريخية

أرسل إلى صديق ارسل لصديقك نسخة للطباعة اطبع


مقدمة

العولمة (Globalization) ظاهرة عالمية برزت بعد انتهاء الحرب الباردة وبانهيار النظام الاشتراكي وولادة النظام العالمي الجديد ذو القطب الواحد بقيادة الدولة العظمى الوحيدة، الولايات المتحدة الأمريكية. والعولمة في هذه الحالة لا ترتبط بالسياسة والاقتصاد فقط، وإنما تشمل جميع الميادين الثقافية والعلمية والتقنية والإنتاجية والتجارية..الخ.
هناك هجوم شديد على العولمة وخاصة من قبل اليسار، رغم أن أئمة الاشتراكية وعلى رأسهم كارل ماركس، هم من الذين بشروا بالعولمة ولو تحت اسم آخر مثل (الأممية). وفي رأيي، أن الاسم لا يهم، وإنما المهم هو الجوهر. أعتقد أن العولمة بشكلها الجديد، هي مرحلة متقدمة من مراحل تطور المجتمع البشري والحضارة الإنسانية، وهي جزء لا يتجزأ من مسار حركة التاريخ، وقدر محتوم لا فكاك منه، وما حصل الآن هو أن العولمة تحققت في ظل الرأسمالية وبقيادتها، بدلاً من أن تتحقق تحت ظل الاشتراكية، ولعل هذا هو سبب معارضة اليسار للعولمة.
ناهض اليسار العالمي العولمة لأنها تحققت بعد انتهاء الحرب الباردة بانتصار النظام الرأسمالي بزعامة أمريكا، الدولة العظمى، على النظام الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي. وهذا الانتصار يعتبر كارثة بالنسبة لليسار وللأيديولوجية الاشتراكية. فخلافاً لأيديولوجية اليسار الاشتراكية التي كانت تبشر بحتمية انتصارها على الرأسمالية بحكم التاريخ كما كانوا يثقفوننا في القرن العشرين، حصل العكس، أي تحولت الأنظمة الاشتراكية إلى رأسمالية. وأعتقد أن سبب انتصار النظام الرأسمالي هو أن المرحلة هي له، إذ مازال لديه الكثير ليقدمه للبشرية وبإمكانه تجديد شبابه، وإيجاد الحلول الناجعة لمشاكله إلى أن يستنفد ما عنده من مبررات وجوده.
والجدير بالذكر، وكما بينا في مناسبات سابقة، أن فشل الاشتراكية وانهيار الاتحاد السوفيتي وحلفائه من دول أوربا الشرقية، لا يعود إلى مناهضة أمريكا والمعسكر الرأسمالي لهما كما يعتقد البعض، ولا إلى مؤامرات دبرها غورباتشوف و يلتسن كما يدعي آخرون، بل سقطت الكتلة الاشتراكية لأنها فشلت في تحقيق الحرية والرفاه الاقتصادي لشعوبها كما وعدت بهما، وأفلست سياسياً واقتصادياً ومعنوياً، ولم تكن صالحة للبقاء وفق مبدأ الاختيار الطبيعي والبقاء للأصلح.

العولمة في التاريخ
العولمة ليست جديدة، بل هي قديمة قدم التاريخ، ولكن كانت على شكل بدائي في العصور الغابرة، ثم صارت حلماً تراود مخيلة بعض الأباطرة والفلاسفة في عهود الإمبراطوريات القديمة، فمعظم الأديان، ما عدا اليهودية، هي عالمية تحاول أن تجتذب البشر كلهم لاعتناقها، بينما تظهر العولمة اليوم بشكل جديد، وذلك لأن ظروف المرحلة الحضارية العالمية قد نضجت لها، ووفرت لها شروط ولادتها، فبرزت بحلة واقعية جديدة مدعومة بالعلم والتكنولوجيا المتطورة.
وفي هذا السياق قال الفيلسوف ورجل الدولة الروماني المعروف شيشرون (106 – 43 ق.م): " إن الناس جميعا اخوة، وخليق بنا أن نـُعدّ العالم كله مدينة مشتركة، وأسمى المبادئ الخلقية هي الولاء لهذا الكل، ولأن يكون الحافز له هو الضمير.." كما ويقول ماركوس أورليوس (الأمبراطور الروماني من 160– 180 م): "الناس كلهم أخوة، أخيارا كانوا أم أشرار، وكلهم أبناء الله ينتسبون إليه. وأنا (الإمبراطور) تكون روما وطني، وبوصفي إنسانا يكون وطني هو العالم كله." (من مقال المستشار محمد سعيد العشماوى، الضمير والقانون (3) مواقع الانترنت، 18/11/2007).
كما وقال الفيلسوف الألماني المعروف عمانوئيل كانط (Immanuel Kant) (أن السلام لا يتحقق على الأرض بشكل كامل إلا بعد أن يتحول العالم إلى فيدرالية دولية.) وأعتقد أن هذه الفيدرالية هي في طريقها إلىالتكوين. ففي أوائل القرن العشرين، وبُـعَيْد الحرب العالمية الأولى ولدت المنظمة الدولية باسم (عصبة الأمم) والتي ساهمت كثيراً في حل المشاكل الدولية بعد الحرب. وعصبة الأمم هذه تطورت خطوة أوسع إلى الأمام بعد الحرب العالمية الثانية فتحولت إلى (الأمم المتحدة) عام 1945 والتي تضم الآن 192 دولة، ومنها نشأ (مجلس الأمن الدولي) الذي يضم 15 عضواً، ويعتبر البعض الأمم المتحدة هي النواة للفيدرالية العالمية في المستقبل.

لماذا العولمة حتمية تاريخية؟
يناهض العولمة، إضافة إلى اليسار العالمي، قطاع واسع من المثقفين العرب، لسبب واضح وهو أنهم يتحدثون عن العالم ومسار التاريخ كما يرغبون ويتمنون أن يكون عليه هذا العالم، لا كما هو عليه في الواقع والاتجاه الذي يسير فيه. فلو تتبعنا مسار التاريخ منذ العصور الحجرية ولحد الآن لرأينا ما يلي:
أولاً، بعد أن ظهر الإنسان العاقل homo sapiens في سلم التطور البايولوجي، بدأت تشكيلة المشاعة البدائية، حيث كان البشر يعيشون على شكل تجمعات صغيرة، أي عصابات (Bands) كان عدد كل منها بين 20 إلى 30 شخصا، يتنقلون وراء الصيد وجمع الطعام Hunter-gatherers.
ثانياً، استمرت مرحلة الصيد وجمع الطعام في العصر الحجري الأول ملايين السنين، والثاني آلاف السنين، إلى أن ظهرت قرى لأول مرة في وادي الرافدين قبل حوالي سبعة آلاف سنة. ثم ظهرت القبيلة، والمشيخة، واتحاد مشايخ ومدن، ودولة المدينة city state ثم اتحدت بعض دويلات المدن عن طريق الحروب والاحتلال من قبل الأقوى إلى دول وإمبراطوريات... الخ.

لقد دام الإقطاع في أوربا نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة ولم يحصل أي تقدم ملحوظ في المجتمع البشري خلال هذه المرحلة، لأن الركود هو سمة ملازمة للمجتمع الزراعي الإقطاعي. وقد ولد النظام الرأسمالي من رحم المجتمع الإقطاعي في منتصف القرن السادس عشر الميلادي في أوربا واليابان في وقت واحد تقريباً، وخلال الخمسة قرون الأخيرة حصل كل هذا التطور المذهل بسبب طبيعة النظام الرأسمالي. فالديمقراطية وتطور العلوم والتكنولوجيا وغيرها كانت من نتاج الرأسمالية. وهذا لا يعني أن الرأسماليين هم ملائكة يحبون الديمقراطية وحريصون على حقوق الإنسان، وإنما لأن النظام الرأسمالي يعتمد على الربح وتراكم رأس المال، والأرباح لن تتحقق إلا بالمنافسة وتشجيع الاختراعات العلمية والتكنولوجية وحث العمال لزيادة الإنتاج، وهذا يتطلب منح الحقوق، في مختلف المجالات.
فما الذي حصل خلال القرنين الماضيين في العالم؟
كانت أوربا مقسمة إلى دويلات المدن في معظم أنحائها وفي حروب شبه دائمة. ومع الزمن، وبعد الثورة الفرنسية وحروب نابليون، برزت النزعة القومية ومعها الدولة القومية، فتوحدت دويلات ألمانيا بقيادة بسمارك، وإيطاليا بقيادة غاري بالدي، وهكذا ظهرت الأمة الألمانية والأمة الإيطالية. كذلك كانت فرنسا مقسمة إلى دويلات فتوحدت بعد الثورة. أما أمريكا فكانت مقسمة إلى دول (ولايات) توحدت بعد الحرب الأهلية (1861-1865) فظهرت الولايات المتحدة الأمريكية التي تضم الآن 50 دولة (ولاية). ومما يجدر ذكره أن الترجمة العربية –الولايات المتحدة- خطأ، لأن أمريكا هي اتحاد دول United States وليست ولايات provinces. على أي حال، لا يمكن التخلي عن هذا المصطلح العربي الشائع الآن، إذ كما يقول المثل (خطأ شائع خير من صحيح مهجور!!).
أما بعد الحرب العالمية الثانية وفي الخمسينات من القرن العشرين، فقد خطت الدول الأوربية خطوة أخرى نحو الوحدة فتم توقيع اتفاقية روما (Treaty of Rome) من قِبل ست دول عام 1957 وإعلان السوق الأوربية المشتركة والتي تطورت خلال نصف قرن إلى الوحدة الأوربية التي تضم الآن 27 دولة، وهي مازالت في طور الإتساع المطرد.
وما جري في أوربا ليس فريداً من نوعه، بل هناك اتحادات اقتصادية وتقارب سياسي واجتماعي وثقافي لدول أمريكا الشمالية، كما وهناك منظمة دول أمريكا اللاتينية، والوحدة الأفريقية، واتحاد دول جنوب شرقي آسيا، كذلك دول الكومونويلث المرتبطة ببريطانيا والتي تظم أكثر من أربعين دولة... وهناك مجلس التعاون الخليجي، وغيره من الاتحادات التي تتوسع وتتلاحم باطراد مع الزمن. ومن هنا نعرف أن العالم يسير نحو التلاقي والتقارب والوحدة العالمية.

التطور البايولوجي والتطور الاجتماعي
يعتقد علماء الاجتماع أن هناك نقاط تشابه بين التطور البايولوجي والتطور الاجتماعي. فكلاهما يسيران بشكل غير واعي وغير مقصود، وتحت تأثير البيئة الجغرافية، وهو نتيجة الصراع من أجل البقاء وفق المبادئ الداروينية، الاختيار الطبيعي والبقاء للأصلح. إلا إن التطور الاجتماعي يختلف عن التطور البايولوجي في نقطة مهمة جداً، ألا وهي أن الأول يتشعب وتبرز له فروع جديدة كلما تطور مع الزمن، إذ تظهر أنواع species جديدة، أي أنه في حالة افتراق divergence مع الزمن أشبه بالشجرة كلما نمت ظهرت لها فروع أكثر. أما التطور الاجتماعي فهو في حالة تقارب وتلاقي convergence مع الزمن، أي تندمج القبائل وتتحول إلى شعوب، والشعوب إلى أمم. كذلك كانت هناك أكثر من عشرة آلاف لغة قبل آلاف السنين، اختفى معظمها، وبقى منها الآن نحو مائتي وعشرين لغة تقريباً، ولا بد أن حتى هذا العدد سيتقلص أكثر فأكثر مع الوقت إلى عدد محدود من اللغات كلما تقاربت الشعوب واختلطت مع بعضها البعض.
ومن كل ما تقدم، نعرف أن العالم يتجه نحو التلاقي والتقارب في جميع المجالات.

كذلك أود أن أوضح نقطة مهمة وهي، أن التطور الاجتماعي رغم أنه يجري دون وعي وبدون قصد في المراحل المتخلفة من التطور الاجتماعي والعقل البشري، إلا إن هذا التطور سيكون بشكل واع ومقصود ومخطط في مرحلة متقدمة من الطور الحضاري، مصحوباً برقي العقل والفكر إلى مستويات عالية. ففي الوقت الحاضر اقتربت البشرية في الغرب من هذه المستويات العالية، إذ نشهد تدخل الطب الحديث في معالجة الأمراض وإطالة عمر الإنسان، وتدخل العلم في خلق أجنة الأنابيب المختبرية وتقرير جنس الجنين ومواصفاته، كذلك تدخل الإنسان في شؤون الطبيعة وتسخيرها لأغراضه. ففي مرحلة متطورة من الحضارة ورقي العقل، تستطيع القيادات السياسية الواعية وبتأثير من النخب المثقفة (الإنتلجنسيا) في الدول المتقدمة قيادة التطور الاجتماعي والتحكم بمسار التاريخ نحو الأفضل وفي صالح الإنسان وبشكل واعي ومقصود. وهذا ما يجري الآن في دول المركز، أي الدول الغربية الديمقراطية المتقدمة ذات التوجه المخطط وفق العلم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وإلى الآن. 

رأي المثقفين العرب المناهضين للعولمة
يمكن إيجاز موقف المثقفين العرب المناهضين للعولمة بما جاء في تلخيص لكتاب: (ما العولمة؟) وهو دراسة قيمة شارك فيها كل من الأستاذين: صادق جلال العظم وحسن حنفي، يمثلان موقفين مختلفين حول العولمة. أنقل هنا موقف الأستاذ حنفي الذي يمكن اعتباره موجزاً مكثفاً لموقف المثقفين العرب المضاد للعولمة كما ورد في ملخص الكتاب المنشور على مواقع الإنترنت، ما يلي:
[ يؤكد الدكتور حسن حنفي أن العولمة هي أحد أشكال الهيمنة الغربية والجديدة التي تعبر عن المركزية الأوروبية في العصر الحديث وهي تعبير عن مركزية دفينة في الوعي الأوروبي وتقوم على عنصرية عرقية وعلى الرغبة في الهيمنة والسيطرة، فالغرب أفرز أشكالا جديدة للهيمنة عن طريق خلق مفاهيم وزعها خارج حدوده مثل العولمة، العالم ذي القطب الواحد، نهاية التاريخ، صراع حضاري والتي تقوي المركز، وبالمقابل هو ينحت مفاهيم أخرى مثل ما بعد الحداثة، ونهاية عصر الحداثة، والتصدير خارج المركز للأطراف، والغرب الذي أوجد هذه المفاهيم العقلانية يريد هدمها بما في الغرب من قوة على التجاوز يحاول منع الحضارات الأخرى من الوصول إليها والاستفادة منها وما صراع الحضارات إلا بهدف تحويل العالم إلى دوائر حضارية متجاورة ومتصارعة على مستوى الثقافات لإخفاء الصراع حول المصالح في الثروات والهاء الشعوب الهامشية بثقافات تقليدية. ويمضي حنفي في هذا الاتجاه ليصل إلى نتيجة مفادها " ان العولمة هي الماركة المسجلة والاسم الحركي للأمركة التي يعتبرها التعبير الحقيقي عن مركزية غربية دفينة في الهيمنة على العالم". (صادق جلال العظم وحسن حنفي، كتاب العولمة، مواقع الأنترنت). والجدير بالذكر أن موقف الأستاذ العظم هو على النقيض تماماً من موقف الأستاذ حنفي في هذا الصدد.

هل العولمة أمركة واستحواذ المركز على الأطراف؟؟
في الحقيقة استغربت جداً من رأي الأستاذ حسن حنفي وموقفه المناهض للعولمة وبهذه الضراوة، حيث يرى فيها تهديداً لدول الأطراف، ولثفافاتها القومية وهوياتها الوطنية واستقلالها السياسي، ...الخ، خاصة وأن الأستاذ حنفي يـُعَد من المثقفين العرب الليبراليين. فإذا كان هذا هو موقف مثقف ليبرالي من العولمة، فماذا نقول عن المؤدلجين من غلاة القوميين والإسلاميين الأصوليين بهذا الصدد؟
ولمواجهة مخاطر العولمة على حد تعبيره، يطالب الأستاذ حنفي باتخاذ الإجراءات التالية:
1- إعادة الموروث القديم الذي هو الرافد الرئيسي في الثقافة الوطنية.
2- كسر حدة الانبهار بالغرب ومقاومة قوة جذبه وذلك برده إلى حدوده الطبيعية والقضاء على أسطورة الثقافة العالمية.
3- التخفيف من غلواء العولمة عن طريق قدرة الأنا على الإبداع بالتفاعل مع ماضيها وحاضرها بين ثقافتها وثقافات العصر.
ينصح الدكتور حسن حنفي بعدم تقليد الغرب، والوقوف ضده، و" كسر حدة الانبهار بالغرب ومقاومة قوة جذبه ". والسؤال هو: من الذي يخسر في مناهضة التقافة العالمية والتي هي في معظمها ثقافة غربية؟ ولعل أفضل جواب على هذا التعالي ورفض الإستفادة من تجارب الغرب وثمار تقدمه هو ما قاله أستاذنا العفيف الأخضر في رده على هذا النوع من اللامعقولية فيقول: "أصحاب جوقة اللامعقول الصاخبة ضد تقليد الغرب لم يفهموا شيئاً من جدلية العقلانية العلمية والتكنولوجية كما تحققت في التاريخ، لم يحدث قط أن مرت أمة إلى مرحلة الإبداع العلمي والتكنولوجي والفكري دون المرور بمرحلة تقليد العلم والتكنولوجيا الغربيين. الصين لم تحقق اليوم من التقدم الاقتصادي في عقدين ما حققته بريطانيا في قرنين إلا بفضل تقليد الغرب. وكذلك فعلت الهند و"النمور" الآسيوية. تماماً كما أن الطفل يتعلم بتقليد أبويه ومعلميه قبل أن ينتقل إلى مرحلة الاستقلال عنهما وربما التفوق عليهما. وكما أن الترجمة الجيدة هي فعل مشاركة في أبداع المؤلف، وبالمثل التقليد الحق للفكر والعلم الغربيين هو في الواقع مشاركة فعالة في الاكتشاف العلمي والتكنولوجي والابستيمولوجي والثقافي. وهذا اليوم، كما تشهد بذلك تجربة البلدان الصاعدة، ليس مجرد تقليد فردي، بل تقليد تقوم به مؤسسات للمؤسسات الغربية العلمية والتكنولوجية والسياسية والثقافية... تحريم تقليد الغرب هو عنصرية ضد الذات، هو انتحار!." (العفيف الأخضر، إيلاف، 19/11/2007).
يبدو لي أن خصوم العولمة من المثقفين العرب هم بمعزل تام عما يجري في العالم من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وبوتيرة متسارعة. وهذه العزلة هي من صنع أيديهم ونتاج تعصبهم لأيديولوجياتهم المعادية للإنسانية وثقافتها العالمية ورفضهم الفض في الاندماج مع العالم. فكما ذكرنا آنفاً، أن العولمة هي قدر محتوم، ومن الخطأ مقاومتها، بل من العبث مناهضتها، وهي ليست من اختراع أمريكا أو الدول الغربية للهيمنة على دول الأطراف أو الهامشية كما يتصور هؤلاء السادة، وإنما هي نتاج التطور السريع والمذهل في العلوم والتكنولوجيا والمواصلات والاتصالات والثورة المعلوماتية وغيرها، والتي قربت بين الشعوب وصولاً إلى جعل العالم قرية كونية صغيرة. وليت دعاة العزلة ومناهضة العولمة ومعاداة الغرب تتمتع شعوبهم بمستوى راق في العلوم والتقنية والثقافة ليؤهلهم بأخذ هذه المواقف العنصرية المتزمتة من العالم، بينما الحقيقة هي العكس من ذلك تماماً، إذ نرى الشعوب العربية والإسلامية الرافضة للعولمة هي في أمس الحاجة إلى التعاون مع الغرب والاستفادة من حضارته لأنها تعيش في قعر التخلف وهي أضعف الأمم في جميع المجالات وأمسها حاجة إلى الانسجام مع العالم المتحضر، إذا ما أرادت مواكبة التقدم.

يقول الأستاذ منير حداد بهذا الصدد: [غالباً ما يتم انتقاد العولمة بدعوى أنها " أمركة "، أي هيمنة الاقتصاد والثقافة الأمريكيتين على باقي دول العالم. وهذا فهم خاطئ لحقيقة العولمة التي تعني أساساً حرية تدفق الاستثمارات والبضائع والخدمات والأفكار والخبرات، بحيث تتخصص كل دولة في إنتاج وتصدير ما تقدر على إنتاجه بصفة أفضل، و تستورد مقابل ذلك ما يستطيع الآخرون إنتاجه بصفة أفضل. وعلى هذا الأساس، يتطور الإنتاج بحكم المنافسة الخارجية، كما يستفيد المستهلك من حرية الاختيار المتاحة بين المنتجات المحلية والمستوردة المتوفرة بأسعار عالمية. وللتأكد من هذا، يكفي المقارنة مع البديل في ظل الحماية للمنتجات الوطنية والتضييق على الواردات بنظام " الكوتا " والوكالات التجارية والتعريفة الجمركية المرتفعة، إذ يؤدي هذا النظام إلى منتوج وطني غير تنافسي- لا مكان له للمزاحمة في السوق الدولية-، بينما لا تتوفر للمستهلك حرية الاختيار ويضطر إلى دفع أسعار عالية على المنتجات المستوردة بحكم التعريفة الجمركية. (منير حداد، إيلاف، 22/1/2007). ويستشهد الأستاذ حداد بالميزان التجاري الذي هو غالباً في صالح دول الأطراف مثل الصين والهند وغيرهما من النمور الآسيوية، وضد أمريكا بالذات التي غالباً ما تعاني من العجز في ميزانها التجاري. فأين الأمركة من كل هذا؟

وتأسيساً على ما تقدم، نعرف إن العولمة هي ليست (أمركة)، ولا هيمنة دولة على أخرى، ولا القضاء على الدولة القومية، ولا إلغاء الهوية الوطنية، أو القضاء على الثقافة المحلية الموروثة، كما يتصور البعض، بل هي الدعوة للتخفيف من غلواء كل هذه الانتماءات، فبدلاً من تصارعها مع بعضها البعض ومعاداة الغير بدوافع عنصرية ودينية وطائفية ومحلية، يمكن العمل على جعل هذه الثقافات وغيرها من الانتماءات تتآلف وتتناغم وفي حالة انسجام تام مع بعضها البعض في العالم دون الشعور بالاستعلاء العنصري أو الديني على الغير أو إلغاء الآخر، أشبه بأعضاء فرقة موسيقية كبيرة يشارك أعضائها في عزف سيمفونية عالمية جميلة كل على آلته، دون أن تكون هناك نغمة نشاز خارجة عن السيمفونية الإنسانية.
فالدول الغربية الآن تتحدث عن تعددية الثقافات والأعراق (multi-culturalism) وتعمل بنشاط على تربية شعوبها بتقبل هذه التعددية والتعايش معها بسلام، وأن التعددية يجب أن تكون عامل إثراء للمجتمع وليس عامل إلغاء وتطاحن فيما بين مكوناته. فبدلاً من أن تكون هذه التعددية سبباً لحالة صراع يؤدي إلى عرقلة المسيرة الحضارية، تعمل العولمة على تهذيبها وجعلها متناغمة ومتناسقة ومنسجمة مع بعضها البعض وبذلك تؤدي إلى التعجيل في التقدم الحضاري تعود فوائده على الجميع بدون استثناء.

إلا إن ما يؤسف له، أن العرب والمسلمين وحدهم الذين يرفضون هذه التعددية والتعايش مع الآخرين بسلام، ويصرون على إلغاء الآخرين، وهم ضحايا وهمهم القاتل مدعين خطأً أن ثقافتهم هي أفضل الثقافات وأنهم أفضل الأمم وأرقى الناس، لأنهم "خير أمة أخرجت للناس"، شاهرين سلاح التكفير في وجه كل من يختلف معهم في الرأي والدين والمذهب. والمسلم الذي يأتي إلى الغرب لأسباب سياسية أو لمنافع اقتصادية وحياة أفضل التي افتقدها في وطنه الأصلي، ما أن يصل إلى الغرب حتى وينقلب على المجتمع المضيف الذي آواه ووفر له العيش الكريم، رافضاً الثقافة الغربية وحضارتها، واصفاً إياها بالجاهلية والكفر، وأنه يحمل رسالة إلهية لتغيير هذا العالم وتحويله إلى دولة إسلامية "نقية طاهرة" ولو بالعنف.
ولا نريد التعميم هنا، فلحسن الحظ ليس كل المثقفين العرب والمسلمين يحملون هذا الاتجاه العدواني ضد الحضارة الغربية وضد العولمة، و ضد التعايش السلمي مع المختلف، ولا كل أبناء الجاليات الإسلامية يحملون هذا الموقف الخاطئ من الحضارة الغربية والعولمة، ولكن بالتأكيد هناك قطاعات واسعة من هؤلاء الذين يعملون ضجيجاً عالياً، وخاصة المقيمون منهم في الغرب، يعملون على تشويه سمعة شعوبهم في داخل بلدانهم، وسمعة جالياتهم في بلدان المهجر، مما جعلوا من كل مهاجر مسلم إرهابي يشكل تهديداً للحضارة الغربية إلى أن يثبت العكس. 
 
العولمة نقيض الاستعمار
يحلو لخصوم العولمة وصفها بأنها عودة استعمارية بشكل جديد، ناسين أن الاستعمار يتم بالقوة وباحتلال الأقوى للأضعف لنهب خيرات البلد المحتَلْ، بينما الذي يجري الآن هو العكس، أي غزو الأطراف للمركز سواء عن طريق الهجرة المليونية، أو التجارة والاقتصاد. في الحقيقة كان الاستعمار يمثل مرحلة من مراحل تطور المجتمع البشري، وقد انتهى إلى غير رجعة، ولا يمكن إعادة التاريخ إلى الوراء. ومهما قيل بهذا الصدد، إلا إنه يمكن القول أن الاستعمار الأوربي لدول العالم الثالث، خلافاً للاستعمار العثماني التركي للبلدان العربية، قد ساهم كثيراً في نقل الحضارة الغربية وقيمها الإنسانية إلى البلدان المستعمَرة. فلا ينكر أحد دور احتلال نابليون لمصر في أواخر القرن الثامن عشر في النهضة المصرية الحديثة، أو دور الاحتلال البريطاني للعراق بعد الحرب العالمية الأولى... وهكذا في الدول الأخرى من العالم الثالث. فهذه الهند التي استعمرتها بريطانيا لأربعة قرون صارت من النمور الآسيوية الآن تشهد تقدماً اقتصادياً هائلاً، وتعد اليوم أكبر دولة ديمقراطية في العالم نتيجة لتقليدها للنظام البريطاني الديمقراطي.
تمر البشرية اليوم في مرحلة جديدة متقدمة في مسيرتها الحضارية، ولا يمكن لأية دولة ومهما كانت قوية، السماح لها بالهيمنة والاستحواذ على الدول الأخرى في هذا العصر. لأن سياسة هيمنة الدولة الواحدة على الدول الأخرى تخالف أهم مبدأ من مبادئ النظام الرأسمالي، ألا وهو مبدأ المنافسة بين الدول، وحرية التجارة فيما بينها، كما إن معظم الدول الرأسمالية لها استثمارات في الدول الأخرى من خلال شركات عابرة القارات. لذا فليس من مصلحة هذه الدول هيمنة أي منها على الأخرى. فالعولمة هي اختيارية ونتاج إدراك الشعوب أن مصالحها تتطلب التفاعل والانسجام مع بعضها البعض.
وإذا ما حاولت أية دولة بالقيام بالسيطرة على الدول الأخرى بالقوة فمآلها الفشل، حيث تهب الدول الرأسمالية الأخرى بإجهاض المحاولة بشن الحرب عليها. يذكر الأستاذ ساندرسون بهذا الصدد، أن حصلت ثلاث محاولات في تاريخ النظام الرأسمالي لسيطرة إمبراطورية على الدول الأخرى. المحاولة الأولى قامت بها الإمبراطورية النمساوية خلال حكم أسرة الهابسبرغ (Hapsburg) في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، والثانية، قامت بها الإمبراطورية الفرنسية في عهد نابليون في أوائل القرن التاسع عشر، والمحاولة الثالثة والأخيرة قامت بها ألمانيا النازية الهتلرية في القرن العشرين، كلها باءت بالفشل الذريع حيث اتحدت الدول الرأسمالية الأخرى ضدها وأجهضتها.

لماذا صِدام الحضارات في زمن العولمة؟
قد يعترض البعض سائلاً: إذا كانت العولمة تعني التقارب والتآلف والتعايش السلمي بين الشعوب من أجل المصالح المشتركة، فلماذا حصل صِدام الثقافات أو الحضارات في زمن العولمة؟ ولماذا هذا التطرف الإسلامي بالذات الآن، أليس هذا على الضد مما جاء في هذا المقال؟
في الحقيقة، إن العوامل التي أنتجت العولمة هي ذاتها ساهمت إلى حد كبير في خلق التطرف والصراع بين الثقافات. فالعولمة وكما ذكرنا آنفاً، هي نتاج التطور المذهل في التكنولوجيا وخاصة في وسائل المواصلات والاتصالات والنشر...الخ. وهذه الوسائل أدت إلى تسهيل السفر بغية السياحة أو لأسباب اقتصادية أو دراسية..الخ مما أدى بدوره إلى احتكاك الشعوب واختلاطها فيما بينها، وبالتالي إلى التعجيل في عملية التغيير الاجتماعي للشعوب العربية والإسلامية وغيرها من شعوب العالم الثالث (الأطراف).

كانت الشعوب في الماضي معزولة عن بعضها البعض لصعوبة السفر. والتطور كان يجري ببطء شديد، بحيث ما كان يشعر به الإنسان، إضافة إلى أن معدل الأعمار كان قصيراً لا يزيد عن 30-35 عاماً. لذلك كان الناس يتكيفون مع التغيير البطيء وبدون هزات عنيفة أو حتى دون أن يشعروا به. ولكن مع الزمن وبدخول المخترعات الجديدة في القرن العشرين، وزيادة اختلاط الشعوب مع بعضها البعض، ازدادت سرعة التغيير والتطور الاجتماعي، لأن كل مرحلة تهيئ الظروف للمرحلة اللاحقة، فيكون التطور في المرحلة اللاحقة أسرع مما كان عليه في المراحل السابقة، وهكذا يجري التغيير بتعجيل. وعليه، حصلت في زماننا تطورات سريعة ومذهلة وحادة في مختلف المجالات وفي جيل واحد.
ولتوضيح ذلك نقول:  يعرف الجميع أن العصر الحجري استغرق ملايين السنين، ثم تلاه العصر البرونزي الذي استغرق عدة آلاف من السنين، وبعده العصر الحديدي لقرون وهكذا. بينما مرت البشرية في القرن العشرين وحده، وخلال بضعة عقود من السنين، مرت بعدة عصور: عصر الذرة وعصر غزو الفضاء وعصر الإنترنت وعصر الفضائيات وعصر الثورة المعلوماتية... الخ، كل ذلك حصل في جيل أو جيلين تقريباً، مصحوباً بتغيير اجتماعي سريع، وهذا أكبر مما يتحمله العقل البشري للتكيف معه.
فالاختلاط بين الشعوب أدى إلى انتقال ثقافات وعادات وتقاليد من الشعوب الغربية المتطورة إلى الشعوب العربية والإسلامية المتخلفة. والجدير بالذكر أن الناس ليسوا متساوين في التأثر بهذا التغيير، فيقبله البعض ويرفضه آخرون.

وفيما يخص اختلاط الشعوب وتأثرها بالتغيير، وعلى سبيل المثال لا الحصر، كان الشعب السعودي وخاصة سكان نجد يعيشون على شكل قبائل بدوية في مناطق معزولة عن العالم تحيط بها الصحراء العازلة من كل جانب، يعانون من مجاعة مزمنة بسبب شح الماء والغذاء تغزو بعضها البعض بسبب ظروف الصحراء. ولذلك ظهر عندهم المذهب الوهابي الذي هو وليد ظروف الصحراء وقيم البداوة، المعروف بالتعصب ومعاداة الأديان الأخرى وحتى المذاهب الإسلامية غير الوهابية. ولكن في غضون فترة قصيرة من الزمن، وخلال جيل واحد تقريباً، حصل اختلاط كبير بين الشعب السعودي والشعوب الأخرى بسبب اكتشاف النفط في المملكة. إذ يعادل عدد الأجانب اليوم في المملكة العربية السعودية نحو 50% من الشعب السعودي. أما في البلدان الخليجية النفطية الأخرى فالأجانب يشكلون نحو 80%، من مجموع السكان، يشكل الأوربيون نحو 30% منهم. ونتيجة لهذا الاختلاط والاحتكاك الكبيرين حصل تغيير اجتماعي سريع لهذه الشعوب خلال جيل أو جيلين.

وكما قال عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي بهذا الصدد: " العالم كله الآن يعاني تغيراً اجتماعياً هائلاً لم يعهد له مثيلاً من قبل في جميع أطوار التاريخ، فقد أنتج العلم في العصر الحديث مخترعات عظيمة في وسائل المواصلات والسفر والنقل والإعلام والنشر بحيث صارت العزلة الاجتماعية وما يتبعها من ركود اجتماعي غير ممكنة في أي مجتمع مهما كان نائياً أو محاطاً بالجبال الشاهقة." ويضيف في مكان آخر:
"من طبيعة التغير السريع أنه لا يؤثر في جميع أجزاء الكيان الاجتماعي على درجة واحدة، فكثيراً ما يكون هناك جزءان مترابطان ثم يحدث التغير في أحدهما دون أن يحدث في الآخر، أو هو قد يحدث في أحدهما أسرع مما يحدث في الآخر، فيؤدي ذلك إلى صراع أو توتر أو تناقض بينهما، وهذا هو ما أسميته بـ (التناشز الاجتماعي). (د. علي الوردي، لمحات اجتماعية ج1، ص 288-289).

كذلك يمكن القول أن هذا التطور الاجتماعي السريع هو المسؤول عن تمرد فئات متشددة معارضة للثقافة الغربية وقيمها الاجتماعية من الأصوليين المتزمتين الذين أنجبوا الإرهاب الإسلامي. وهذا ما أسماه الوردي قبل أكثر من خمسين عاماً بـ(صدام الثقافات) وهو أصح من تعبير ساميول هانتنغتون (صدام الحضارات)، لأن الحضارة هي واحدة في كل مكان، ساهمت في بنائها جميع الأمم كثيراً أو قليلاً، وهي ملك البشرية كلها، أما الثقافات Culture فهي متعددة ومختلفة من شعب إلى آخر، ويمكن أن تتصارع كما هو جار الآن.
وعليه، اعتقد أن هذا الصدام بين الثقافات، هو مؤقت وناتج عن سرعة التغيير، مما أدى إلى رفض شرائح معينة من المجتمعات العربية والإسلامية للثقافة الغربية وخوفها على ثقافاتها الموروثة من الإلغاء، فأعلنت التمرد والكفاح المسلح على شكل إرهاب اعتقاداً منها ثقافتها وشخصيتها مهددة بما تسميه بالثقافات والأفكار المستوردة، خاصة وقد وجدت هذه الفئات الدعم لإرهابها من النصوص الدينة المقدسة. ولكن هذه الشرائح الرافضة للحضارة هي في طريق الزوال مع الزمن.

ماذا لولا العولمة؟
سؤال مهم آخر يفرض نفسه، وهو، ماذا لولا العولمة؟ فكما بينا، العولمة هي عملية تعامل الشعوب فيما بينها وفق مصالحها المشتركة بحيث لا يمكن لأي شعب اليوم أن يعزل نفسه عن العالم. ولقد لمسنا تأثير العزلة هذه على الشعب العراقي خلال التسعينات من القرن الماضي بسبب الحصار الاقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة عليه في عهد حكم البعث الصدامي على أثر غزوه للكويت. فرغم كون العراق يتمتع بالثروات الطبيعية الهائلة من النفط والمياه، إلا إن هذا الشعب عانى أشد المعاناة بسبب الحصار.
كما إن العولمة تتدخل لمساعدة الشعوب التي تتعرض إلى الكوارث والحروب وحروب الإبادة من قبل حكوماتها الجائرة، كما جرى في أفغانستان في عهد طالبان وفي العراق في عهد حكم البعث، وما يجري الآن في دارفور مثلاً. فلولا تدخل العالم الخارجي في مساعدة الشعوب الأفريقية الفقيرة لانقرض العديد منها. وكلنا نتذكر أيام المجاعة التي تعرض لها الشعب الأثيوبي في أواخر الثمانينات والمساعدات الغربية التي انهالت عليه من كل حدب وصوب. كذلك التدخل الخارجي لمساعدة الشعب الكردي في شمال العراق الذي تعرض لحرب الإبادة من قبل نظام البعث الصدامي، حيث فرضت بريطانيا وأمريكا (الملاذ الآمن) في منطقة كردستان العراق وحمايته من جور نظام البعث الفاشي في التسعينات من القرن المنصرم. كما وتدخل الغرب في إنقاذ شعوب البلقان من حروب الإبادة على يد الفاشية الصربية بقيادة ميلوسوفيج. ولا يمكن أن ننسى المساعدات الدولية لشعوب حوض المحيط الهندي التي تعرضت لتسونامي نهاية عام 2004 الذي ضرب عدة بلدان ممتدة من جزر إندونيسيا إلى السواحل الشرقية لأفريقيا والذي راح ضحيته نحو 300 ألف إنسان. فلولا المساعدات الدولية لهذه الشعوب لكان عدد الضحايا أضعافاً مضاعفة. وهذه من ثمار ومظاهر العولمة.
وهناك أمثلة لا تعد ولا تحصى، تؤكد دور التعاون الدولي فيما بينها والمساعدات التي تقدمها الدول المتطورة الغنية للشعوب الفقيرة التي تتعرض للكوارث، سواءً كانت كوارث طبيعية مثل الزلازل والفيضانات والأعاصير والأوبئة، أم كوارث من صنع البشر مثل الحروب وحروب الإبادة وحرائق الغابات وغيرها.

كذلك هناك مخاطر مشتركة تهدد البشرية كلها، مثل التغيرات والتقلبات المفاجئة في المناخ ومشكلة الاحتباس الحراري وقضية الأوزون  وغيرها، لا شك أن هذه المشاكل البيئية تهدد الحياة وخاصة الحياة البشرية بالفناء ما لم تتعاون جميع الدول دون استثناء في اتخاذ إجراءات ناجعة لدرء الكارثة. ومن هنا نعرف أهمية العولمة وضرورة المشاركة فيها، فهي ليست مسألة ترف والحفاظ على تقاليد السلف، بل هي مسألة بقاء أو فناء.   

الخلاصة والاستنتاج
العولمة هي نتاج التقدم العلمي والتكنولوجي، خاصة في مجال المواصلات والاتصالات والنشر والثورة المعلوماتية، وتداخل مصالح الشعوب وتشابكها واختلاطها مع بعضها البعض. وهي قدر محتوم كالسيل العرم الجارف لا يمكن مقاومتها. والمطلوب من الشعوب العربية والإسلامية، بدلاً من مقاومة العولمة، الاندماج فيها والعمل على الاستفادة منها إلى أقصى حد وذلك لمواكبة التطور بالتكيف معها وتطوير ثقافاتها ومواقفها السياسية والاجتماعية وجعلها تتلائم وتنسجم مع ما يجري في العالم من تطور، لكي تتخلص من ذلها وتخلفها، ولا تبقى خارج السرب. والعولمة ليست ضد التعددية والثقافات الوطنية ومصالح الشعوب كما يعتقد البعض من المتزمتين العرب والإسلاميين، بل كل ما هو مطلوب منهم هو التخلي عن معاداة ثقافات الآخرين والقبول بالتعايش السلمي مع المختلف والثقافات الأخرى بروح التسامح، بدلاً من روح التعالي والعنجهية المقية وإلغاء الآخر، ولتساهم الثقافة العربية والإسلامية في السيمفونية الإنسانية المشتركة بدلاً من العزف على الوتر العنصري الديني الطائفي النشاز. 
24/11/2007


8721 عدد مرات القراءه

 
آخر مقالاتي
 عودة إلى مقال: الإسلام بين التفخيخ والتفخيذ(2-2)
 توضيح لا بد منه (نشرتُ هذا المقال قبل عشرة أعوام على حلقتين، وأثار في وقته جدلاً بين الكتاب الإسلاميين والعلمانيين. وبمناسبة عزم البرلمان العراقي تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، بتطبيق الشريعة الإسلامية المزيد
غاليري الصور
 
جميع الحقوق محفوظة للدكتور عبدالخالق حسين ©
Powered & Developed by: TRE-CMS - The Red Elephant Content Management System The Red Elephant