إبحث في الموقع  
الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين
 

الثورة والحزب الشيوعي العراقي (2-1)

أرسل إلى صديق ارسل لصديقك نسخة للطباعة اطبع


الفصل الثامن(1)


الثورة والحزب الشيوعي العراقي(2-1)

لعب الحزب الشيوعي العراقي دورا بارزاً في تاريخ العراق السياسي الحديث منذ تأسيسه عام 1934، وقد ترك بصماته في أحداثه السياسية بشكل عميق لا يمكن أن يمحيها الزمن أو تغافلها. وقام بنشاط سياسي مؤثر على الحركة الجماهيرية أكثر مما يناسب حجمه من حيث عدد الأعضاء، وذلك لأسباب عديدة منها، نوعية الأعضاء، فكان أغلبهم من الثوريين المحترفين للنضال السياسي، والمتفانين في تطبيق أفكار الحزب وتحقيق أهدافه، والانضباط الحديدي. وقد استطاع الحزب كسب شعبية واسعة بين الجماهير لتبنيه شعارات معاداة الإستعمار والإقطاع، والنضال من أجل رفع المستوى المعيشي للطبقات الفقيرة، العمال والفلاحين والكسبة والمثقفين وغرس القيم الوطنية.

أسباب شعبية الحزب
1-العامل الثقافي: نظراً لكونه تنظيماً سياسياً أيديولوجياً (ماركسي- لينيني)، فقد أولى الحزب الثقافة أهمية استثنائية في برنامجه. (أود هنا التنبيه إلى أنه عندما نتحدث عن الثقافة فهي مسألة نسبية تبعاً لظروف المرحلة التي كان يمر بها العراق الغارق في ظلام الأمية آنذاك). فكان الحزب موضع جذب للمثقفين الذين شكلوا دعامة أساسية في عضويته. وفعلاً اهتم الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه بالنشر والتثقيف والثقافة والمثقفين، ونشر التعليم، ومكافحة الأمية بين جماهير العمال والفلاحين في كافة أنحاء العراق، وحتى السجون حولوها إلى معاهد دراسية. وبالتالي، فكان المثقف العراقي يرى أن الحزب الشيوعي هو المكان المناسب له، يلجأ إليه لتحقيق طموحاته الثقافية. فأغلب الشعراء والكتاب والإنتلجنسيا العراقية بصورة عامة، كانوا من اليسار، إما شيوعيين أو أصدقاء للشيوعيين. وانتقلت هذه الخاصية حتى إلى العائلات الدينية المعروفة في العراق، مثل أسرة الشبيبي في النجف الأشرف، حيث كان أحد أبناءها، حسين محمد الشبيبي (اسمه الحزبي: صارم)، عضواً في المكتب السياسي للحزب في الأربعينات، وضمن القياديين الذين تم إعدامهم عام 1949، وكذلك عائلة الماشطة في الحلة، وقد برز من بينهم الشيخ عبدالكريم الماشطة في حركة السلم اليسارية. كذلك الشيخ عبدالجبار الأعظمي من رجال الدين البارزين وصاحب مجلة الثقافة الإسلامية، وإمام وخطيب جامع الوزير ببغداد كان متعاطفاً مع الحزب، ومن أنصار السلام، وتعرض للإعتقال والمحاكمة بعد إنقلاب 8 شباط 1963.

2-غياب الديمقراطية: إن غياب الديمقراطية في العهد الملكي كان من أهم الأسباب التي أدت إلى انتعاش الأحزاب السرية، وخاصة الحزب الشيوعي الذي صار الملاذ لأغلب المثقفين كما بينا أعلاه، وحتى الذين كانوا من العناصر الوطنية البرجوازية. ولعدم توفر الديمقراطية الحقيقية اضطر هؤلاء إلى الإنتماء للحزب الشيوعي السري. وقد أدرك زعيم الحزب ومؤسسه يوسف سلمان يوسف (فهد)، هذه الحقيقة وانتقد وجود البرجوازيين "المتذبذبين"، في صفوف الحزب وكان يصفهم أحياناً "بالمهذارين"، وأكد أن مكانهم الصحيح هو في الأحزاب الوطنية الديمقراطية البرجوازية التي كانت موسمية بسبب غياب الديمقراطية، مما أضطرهم لاختيار الحزب الشيوعي لهم.

3- الإضطهاد السياسي: وهذا مرتبط بعامل غياب الديمقراطية، ويعود بالأساس إلى طبيعة السلطة الملكية الحاكمة، وإلى جذورها الإجتماعية ومدى استيعابها وتفهمها للوضع العام. فكانت ثقافة نوري السعيد عثمانية متخلفة، وكان الرجل يعتمد على العنف وحده في محاربة المعارضة الوطنية. ولو استخدم الوسائل الديمقراطية في مواجهة المعارضة لكان العراق على غير ما هو عليه الآن، ولما احتاج أن يمر في دورات العنف، ولما حصلت ثورة 14 تموز 1958. وكان خوف الحكم الملكي من الشيوعية غير مبرر. فالأحزاب الشيوعية في العالم لم تستطع استلام السلطة في أي بلد بالوسائل الديمقراطية. لذلك كان اضطهاد السلطات الملكية للحزب الشيوعي قد قدم خدمة كبيرة للحزب، وألحق دماراً شديداً بالعراق لاحقاً، كان من الممكن تلافيه.
لقد لعب عامل الاضطهاد السياسي دوراً لا يستهان به في توسيع شعبية الحزب، والذي تعرض له على أيدي السلطات في العهد الملكي رغم عدم تبنى الحزب شعار إسقاط االملَكية، أو الكفاح المسلح. صحيح أن الحكومات في العهد الملكي كانت تطارد أغلب الأحزاب الوطنية والقومية الأخرى، إلا إن التعذيب والتنكيل والإعدام كان من نصيب الشيوعيين وحدهم.فكان مجرد كونه حزب معارض يحمل أيديولوجية معارضة للسلطة يكفي لتعريض أعضائه إلى السجون والتعذيب وإسقاط الجنسية وحتى الإعدام كما حصل لقيادته عام 1949.
ونتيجة لهذا الإضطهاد، والعمل السري خلال عشرات السنين، فقد تمرس الحزب على النضال، وكسب خبرة عالية جداً في تنظيم الجماهير، وكسب الشارع والسيطرة على المنظمات المهنية والإجتماعية بعد الثورة.
4- دفاعه عن الفقراء والكادحين: استطاع الحزب أن يتغلغل في صفوف العمال والكادحين في المدن والفلاحين في الريف ويدافع عن مصالحهم ويبث فيهم الوعي السياسي والطبقي، وكسبهم إلى صفوفه، وحشدهم وشحنهم بالعداء ضد مضطهديهم ومستغليهم، بحيث غرسوا في تفكيرهم أن الحزب الشيوعي هو مكانهم الصحيح للنضال من أجل التحرر من الإستغلال، وتحقيق حياة أفضل لهم وللأجيال القادمة وأن "الحتمية التاريخية" التي تبشر بها نظريات الحزب هي حقيقة مطلقة لا ريب فيها أبداً. ولذلك استطاع الحزب كسب جماهيرية واسعة بين العمال والكسبة والفلاحين والمثقفين، وخاصة في أوساط المعلمين وغيرهم من شغيلة اليد والفكر.
5- موقف الحزب من التمييز العرقي والطائفي: نظراً لتبني الحكم الملكي سياسة التمييز العرقي والطائفي في العراق، وكون الحزب الشيوعي هو حزب علماني وطبقي وأممي، يسعى إلى مصلحة الطبقة العاملة والفلاحين والفقراء والكادحين وشغيلة الفكر، بغض النظر عن انتمائهم القومي والديني والمذهبي، فقد وجدت الشرائح والفئات الشعبية المحرومة من حقوق المواطنة الصحيحة بسبب التمييز العرقي والطائفي، ملاذاً لها في الحزب لتحقيق العدالة والمواطنة الكاملة والمساواة في الوطن الواحد. لذلك نرى الحزب قد كسب شعبية واسعة في الأوساط العربية الشيعية، والقوميات والأقليات الأخرى كواسطة لتحقيق نظام يلغي التمايز العرقي والديني والطائفي الذي كان سائداً آنذاك. ومن الواضح أن أغلب الذين انتموا للحزب كانوا من الفقراء لم تتوفر لهم الفرصة لقراءة وفهم الأيديولوجية الماركسية-اللينينية، وإنما انتموا بسبب الأهداف المعلنة في العدالة والتآخي والمساواة ومعاداة الإستعمار، وكرد فعل لمظالم السلطات الجائرة.

دور الحزب في الجبهة
كان للحزب دور مهم في تشكيل جبهة الإتحاد الوطني عام 1957 التي ضمت الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الإستقلال (ديمقراطي قومي عربي)، وحزب البعث العربي الاشتراكي، بالإضافة إلى الحزب الشيوعي العراقي. كما وشكل الحزب الشيوعي تحالفاً ثنائياً مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي كان يتزعمه الملا مصطفى البارزاني، والذي كان قد أبعد مع المئات من الثوار الأكراد البارزانيين إلى الإتحاد السوفيتي منذ عام 1947، ولم يعودوا إلى العراق إلا بعد ثورة 14 تموز 1958.
وقد وضعت الجبهة برنامجاً كاملاَ أقرت فيه تغيير السلطة. وفي نفس الوقت كانت تنظيمات الضباط الأحرار قد التحمت وشكلت لها قيادة موحدة متمثلة في اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار، والتي كان يرأسها الزعيم الركن عبدالكريم قاسم. وكانت قيادة الحزب على إتصال بالزعيم عبد الكريم قاسم قبل الثورة عن طريق العقيد وصفي طاهر، ورشيد مطلك، وكذلك مع الأحزاب القومية عن طريق فائق السامرائي، وصديق شنشل. وكان قادة الجبهة يعلمون بموعدها قبل أيام، واتخذوا الإستعدادات اللازمة لها. ولما اندلعت الثورة كان أغلب الشيوعيين في السجون أو في المنافي. وكان زعيم الحزب آنذاك هو حسين الرضي (سلام عادل).

الحزب في الأشهر الأولى من الثورة
 لقد تمتع الحزب الشيوعي، كغيره من أحزاب الجبهة، بحرية العمل السياسي، خاصة خلال العام الأول من عمر الثورة. وسمح له بإصدار عدد من الصحف مثل (إتحاد الشعب)، ومجلة الثقافة الجديدة، ومجلة المثقف، وعدد من الصحف الأخرى المتعاطفة مع الحزب مثل صوت الأحرار، والبلاد، والإنسانية، والحضارة وغيرها. ومن جانبه، قام الحزب بتعبئة الجماهير لدعم الثورة قيادتها، وحمايتها من المؤامرات، فشكل لجان حماية الثورة، والمقاومة الشعبية. وقد استطاع الحزب نتيجة لتمرسه في النضال السري، وخبرته التنظيمية لسنوات طويلة، أن ينطلق بعد الثورة ويُحكم سيطرته على أغلب المنظمات المهنية والاجتماعية مثل النقابات، والإتحادات، والجمعيات.

موقف الحزب من الديمقراطية
كانت كلمة الديمقراطية تتردد كثيراً في صحافة الحزب وأدبياته، ولكن بمفهومه وشروطه الخاصة في تلك المرحلة. فكنا نسمع مثلاً، بالديمقراطية الشعبية، والديمقراطية المركزية، والديمقراطية الموجهة، والديمقراطية الجديدة ..الخ. وعرفنا الآن أن كل هذه المصطلحات ما كانت إلا أسماء مهذبة لشكل من أشكال الأنظمة الدكتاتورية التي كانوا يسمونها بالديمقراطيات الشعبية (الدول الإشتراكية سابقاً). فالحزب ما كان يؤمن إلا بدكتاتورية البروليتاريا، والتي لم يسقطها من برنامجه إلا في مؤتمره الخامس عام 1993.
أما على الصعيد العملي، فقد كان الشيوعيون يعتقدون بحجب الديمقراطية عن مناوئيهم، ومن يسمونهم بأعداء الثورة، وحتى لو كان هؤلاء الخصوم يؤمنون بالديمقراطية، كما تبيَّن ذلك في صراع الحزب مع الحزب الوطني الديمقراطي، والأحزاب الأخرى بعد الثورة. هذا ما لمسناه من خلال سلوكه بعد الثورة وهو خارج السلطة لمجرد انه سيطر على الشارع، حيث اتبع الشيوعيون سلوكاً أضر كثيراً بحزبهم ومستقبله، وبمستقبل البلاد، وقدم خدمة لا تثمن وبالمجان لأعدائه وأعداء الثورة. فالحزب الشيوعي، كأي حزب ثوري وسري من الأحزاب السرية، يحمل أيديولوجية ، وكان يؤمن بسياسة "العنف المقدس" إزاء الخصوم الطبقيين، وأي تنظيم سياسي أو اجتماعي لا ينسجم مع الأيديولوجية الماركسية اللينينية.

المطالبة بالمساهمة في الحكم
لقد بلغت شعبية الحزب الشيوعي أعلى درجة في احتفالات الذكرى الأولى للثورة عام 1959. وأطلق خصوم الثورة على هذه الشعبية "بالمد الأحمر". وكان الحزب قد أعلن مطلب المشاركة بالحكم على شكل هتافات في المسيرات الجماهيرية في عيد العمال في الأول من أيار عام 1959 مثل: "عاش زعيمي، عبدالكريمي، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي".
وفي نفس الوقت كان هناك صراع داخل قيادة الحزب الشيوعي حول شعار استلام السلطة، أو المشاركة فيها. وانشقت القيادة حول هذا الموضوع إلى متحمسين لاستلام السلطة وعلى رأسهم سلام عادل (حسين الرضي) زعيم الحزب وآخرون. أما الجناح المضاد فكان يضم أربعة أعضاء من المكتب السياسي وهم زكي خيري، وعامر عبدالله، ومحمد حسين أبو العيس، وبهاء الدين نوري. وقد أطلقوا عليهم (كتلة اليمين المتخاذل)، و قُدِّموا لمحاكمة حزبية، وقدموا نقداَ لاذعاَ لأنفسهم. (1)
 
وبرزت فكرة المشاركة في السلطة أو حتى استلامها عند زيارة وفد من الحزب إلى الصين الشعبية عام 1959، ويقول في هذا الصدد الراحل صالح دكلة الذي كان عضواً في وفد الحزب إلى الصين الشعبية، وفي لقاء مع القيادة الصينية برئاسة شوآن لاي، رئيس الوزراء الصيني آنذاك، أن الحزب الشيوعي الصيني كان يشجع الحزب الشيوعي العراقي لاستلام السلطة، وذلك بسبب ما يتمتع به الحزب من شعبية واسعة، ولكنهم في نفس الوقت تركوا الأمر إلى الرفاق العراقيين لتقدير الموقف.(2)
أما موقف الحزب الشيوعي السوفيتي بقيادة نيكيتا خروتشيف، فكان ضد استلام الحزب الشيوعي العراقي للسلطة، وحذر من مغبة هذا العمل، وذلك لعدم إمكان سكوت القوى الغربية والإقليمية عن ذلك، وأنهم أي (السوفيت) غير مستعدين لخوض حرب نووية مع حلف الناتو في سبيل عراق شيوعي. وطالب السوفيت الشيوعيين بدعم حكومة عبدالكريم قاسم الوطنية.
على أية حال، إن تنامي شعبية الحزب الشيوعي العراقي قد أثار الذعر والفزع في نفوس الكثيرين. ويقول نجم محمود (إبراهيم علاوي) في كتابه (المقايضة: بغداد- برلين) في هذا الصدد:
"وأمام الأوضاع المستجدة في العراق وظهور جماهيرية الحزب الشيوعي العراقي، سيما بعد تنظيم مؤتمر السلام الذي تتوج بمسيرة شارك بها نحو مليون مواطن في 19 نيسان 1959، أعرب ألن دلس مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عن مخاوفه أمام جلسة سرية للجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي في 28 نيسان 1959. وهو اليوم الذي طالبت فيه جريدة الحزب الشيوعي العراقي (إتحاد الشعب) إشتراك الحزب في الحكومة العراقية. فقال دلس، كما نقلت النيويرك تايمس (29/4/1959): "إن الوضع في العراق هو أخطر ما في العالم اليوم.". كما ويذكر هارولد ماكميلان، رئيس وزراء برطيانيا أنذاك، في مذكراته (ركوب العاصفة، ص 535) "إن كلاً من إيران والسعودية أصبحتا في حالة من التهيج العصبي الشديد حول التطورات الجارية في جارهما، العراق." [وكان الملك سعود كما يذكر ماكميلان في مذكراته، بعث إليه برسول يلتمس منه التدخل العسكري الأنكلو-أمريكي لإيقاف الزحف الشيوعي في العراق..](3)

هل حاول الحزب استلام السلطة؟
لم يكن الهلع في الداخل من قبل القوى القومية والدينية وشيوخ العشائر وملاك الأراضي وأصحاب العقارات بأقل مما كان عليه في الخارج من الخطر الشيوعي في استلامه السلطة في العراق. فقد حصل انطباع في الرأي العام العراقي والعربي والعالمي، أن استلام الحزب للسلطة مسألة حتمية وقريبة، وكما أشيع في وقتها أن أحد وزراء قاسم سارع إلى تقديم طلب الإنتماء إلى الحزب، وكان الناس يتعمدون في حمل صحيفة (إتحاد الشعب) عند مراجعاتهم للدوائر الرسمية من أجل إرعاب الموظف وحمله على إنجاز معاملته بسرعة!!
فهل كان هناك فعلاً نوايا أو محاولات لدى الحزب الشيوعي العراقي لاستلام السلطة؟ 
هنا أنقل مقطعاً بالكامل مما كتبه الراحل صالح دكلة في مذكراته (من الذاكرة- سيرة حياة)، وكان عضو اللجنة المركزية، ومسئول منطقة بغداد للحزب آنذاك. فقد أجاب على سؤال وضعه بنفسه وهو:
هل كان استلام السلطة السياسية أيام قاسم شعاراً دعائياً أم للتنفيذ؟
فيجيب صالح دكلة قائلاً:    
"من بديهيات إستراتيجية لأي حزب شيوعي منذ البيان الشيوعي أيام ماركس هو الهدف الإستراتيجي الذي تعمل من أجل تحقيقه الطبقة العاملة وسائر فئات الشغيلة. من هذا المنطلق يكتسب شعار استلام الحزب الشيوعي للسلطة السياسية إحدى المستلزمات الضرورية للحزب الثوري. ولكن حتى يتحقق شعار استلام الحزب الشيوعي للسلطة السياسية، فإن ذلك يتوقف على عددٍ من العوامل الذاتية والموضوعية وعلى توازن القوى السياسية سواء في بلد معين، أو على صعيد المنطقة أو العالم، تجعل من هذا الشعار مجرد شعار للدعاية والتحريض إلى شعار من أجل العمل المباشر.
"يخيل إليَ إن سياسة الحزب الشيوعي العراقي منذ اللحظات الأولى لانتصار ثورة تموز كانت تتضمن مثل هذا الفهم، فعندما طرح الحزب ضرورة إزالة التناقض بين قاعدة الثورة وشكل الحكم الذي جاء بعد ثورة تموز، إنما كان يعبر عن فهم عميق لأهمية السلطة السياسية ودورها في المجتمع. لقد كانت القاعدة الجماهيرية التي استند إليها طموح الحزب الشيوعي في احتلال موقع متميز، أو في إحتلال الموقع الأول في السلطة السياسية، كان يستمد جذوره، ومبرراته من واقع السيطرة الكاملة التي تمتع بها الحزب الشيوعي على الحركة الجماهيرية. فنقابات العمال وحركتها كانت بقيادة الحزب الشيوعي، كما تمتع الحزب الشيوعي العراقي، ولاسيما في الأيام الأولى لثورة تموز، بالموقع الأول في قيادة الحركة الفلاحية. وإذا كان الحديث يجري عن المنظمات الديمقراطية الطلابية والشبابية والنسائية، فلقد كان دور الحزب الشيوعي هو الدور الحاسم في قيادة هذه الحركات.
"ولذلك فإذا كان الحزب الشيوعي يطمح لاحتلال موقع في السلطة السياسية، فلأنه يحتل هذا الموقع في الحركة الجماهيرية. ورغم أن شعار مشاركة الحزب في الحكم قد طرح في الشارع العراقي دون دراسة، ولكنه في الواقع كان يعبر عن حاجة واقعية لخلق التوازن الضروري بين قوى المجتمع العراقي.
"وقبل أن تكمل ثورة تموز عامها الأول، فإن التناقض بين القاعدة الإجتماعية للثورة وشكل الحكم قد برز على نحو سافر وذلك من خلال الهجوم الذي تعرضت له الحركة الديمقراطية في مختلف نواحي الحياة على أيدي أجهزة السلطة وبتشجيع من القوى الرجعية. وهذا ما ترك تأثيره على السياسة اليومية للحزب الشيوعي، هذه السياسة التي تمثلت في فترة الإحتفالات بالذكرى الأولى لثورة تموز أي صيف عام 1959.
"أذكر في الأيام التي كنا نعد لإحتفالات الذكرى الأولى لثورة تموز، ان طرح الرفيق الراحل سلام عادل في أحد إجتماعات لجنة بغداد، تكتيك التصدي للتجاوزات والإنتهاكات التي باتت تتعرض لها الحركة الجماهيرية. ولقد أطلق سلام عادل على هذا التكتيك "تكتيك قتل الديك". وملخص الفكرة التي يرمي إليها التكتيك مستقاة من واقع الحياة العملية في المجتمع العراقي. فلقد أورد سلام عادل قصة إن رجلاً هو كبير أسرته، قد عرف بأن الجيران قد قتلوا ديكهم. فجمع أولاده وقال عليكم بقتل ديك الجيران. فلم يحملوا رأي الرجل محمل الجد حتى جاءوا مرة ثانية يقولون إن جيرانهم قد قتلوا الكلب. فقال لهم اذهبوا واقتلوا الديك. وهكذا كلما تجاوز الجيران فكان يرد عليهم بضرورة قتل الديك، حيث يعني ذلك لا تترك العدو أو الخصم يتجاوز دون أن ينال العقاب الرادع.
"في مثل هذه الأجواء التي سادت أيام الذكرى الأولى لثورة تموز، حدث الحادث التالي حول التفكير بضرورة أخذ الحكم أيام قاسم. وملخص القصة: في إحدى الأمسيات الواقعة بين 3 إلى 7 حزيران 1959، تلقيتُ تقريراً بوصفي مسئول منطقة بغداد، يفيد أن ثمة حركة إنقلابية يعد لها بعض الضباط القوميين والقاسميين، ومنهم أحمد صالح العبدي، الحاكم العسكري العام أيام قاسم. وتستهدف هذه العملية الإنقلابية الإطاحة بعبد الكريم قاسم وتصفية الحزب الشيوعي.
فالتقطت سماعة الهاتف واتصلت بجريدة إتحاد الشعب، حيث يعمل سلام عادل. فرد عليَ، وطلبتُ أن أراه بسبب ما توفر لديَ من معلومات. فأمهلني قليلاً وقال هو والرفيق الشهيد جمال الحيدري سيحضران بعد قليل إلى مكتب بغداد الذي لا يبعد كثيراً عن جريدة الحزب.
بعد قليل وصل الرفيقان، فالتقيت بهما في مكتبي وبادر بالسؤال: ما الذي لديك؟ فعرضتُ عليهما التقرير. فكان جوابهما إنها نفس المعلومات التي تلقتها قيادة الحزب من مصدر آخر فضلاً عن انه قد أبلغا قبل فترة وجيزة من قبل الرفيق سعيد مطر، أحد الضباط الشيوعيين العاملين في وزارة الدفاع، أن ثمة أمراً مصدره وزارة الدفاع، يقضي بإعتقال قيادة الحزب الشيوعي العراقي. فطرح سؤال، ما الذي ينبغي عمله؟ فبادرتُ إلى الجواب قائلاً: لنتغدى بهم قبل أن يتعشوا بنا. 
"فتداولنا في الأمور وتوصلنا بأن من الصعب، بل ومن المستحيل أن نحصل على رأي موحد فيما يتعلق بعملية أخذ الحكم في قيادة الحزب، عندها تركز الحديث عن الإمكانات التي يمتلكها الحزب في الجيش. فاقترح سلام عادل أن نستدعي الرفيق عطشان الأزيرجاوي، وهو أحد منظمي الخطوط العسكرية، ولا سيما في سلاح الدبابات. فجاء وعرض أمامنا إن تنفيذ مثل هذه المهمة أمر ممكن ومتيسر حتى بدون الإستعانة بتنظيماتنا العسكرية في الخطوط الأخرى.
"فتقرر في تلك الليلة إخراج مظاهرات تسد جميع الطرقات من الباب الشرقي إلى باب المعظم وتمنع خروج أياً كان من وزارة الدفاع. وأغلق مكتب جريدة إتحاد الشعب، وانتقل الرفيقان سلام عادل وجمال الحيدري إلى دار في منطقة باب الشيخ قريبة من مكتب بغداد. واتفق على إن التحرك سيتم بعد منتصف الليل بفتح الطريق نحو وزارة الدفاع لإعتقال عبدالكريم قاسم وبقية الضباط لاسيما المتآمرين. في هذه الإثناء عاشت بغداد تلك الليلة والجماهير تحتشد في الشوارع والأزقة، وتردد هتافات بحياة الجمهورية العراقية, وحينما حاول البعض الخروج من وزارة الدفاع، لم يتمكنوا من ذلك لأن الشوارع كانت مغلقة بالجماهير، والمكتب الوحيد من مكاتب الحزب الذي بقي على صلة سواء بمنظمات الحزب، أو بسلام عادل هو مكتب بغداد.
"راح مرافقو عبد الكريم قاسم وكبار ضباط وزارة الدفاع يستفسرون ما الذي يجري في بغداد. ولم يحصلوا على أجوبة شافية لأن إتحاد الشعب، وهو المقر الرئيسي لقيادة الحزب قد أغلق، وصاروا يتصلون بأعضاء قيادة الحزب في دورهم. وكان هؤلاء يتصلون بدورهم بإتحاد الشعب دون أن يحصلوا على رد. كما اتصلوا بدارَيْ سلام عادل وجمال الحيدري، فلم يعثروا عليهما. فاتصلا بمكتب بغداد يسألون عن هذه المظاهرات التي تملأ شوارع بغداد، فأخبرتُهم بأنه قرار من الحزب. فاجتمع القادة وتوجهوا إلى مكتب بغداد وكانوا كل من الرفاق عامر عبد الله، وكريم أحمد، وزكي خيري، وآخرون. وأخذوا ينحون باللائمة عليّ كوني اتخذتُ قراراً واصدرتُ التوجيهات بالتظاهر في هذا الوقت من الليل دون مبرر. فأجبتهم انه قرار أبلغني فيه الرفيق سكرتير اللجنة المركزية. فذهبوا دون أن أدلهم على مكان سلام عادل وجمال الحيدري، ولكنهم عرفوا المكان من بعض الرفاق الذين يقفون في الشارع.
فذهبوا إلى الدار حيث التقوا بسلام عادل. ويبدو أن مناقشات حادة جرت بحيث اضطر الرفيق سلام عادل بالمجيء إلى مكتب بغداد، وأشار بتفريق المظاهرة وإبلاغ الرفيق عطشان الإزيرجاوي بإرجاء التحرك..! " (انتهت شهادة صالح دكلة).

إن هذه شهادة من عضو اللجنة المركزية، ومسؤول منطقة بغداد، تثبت محاولة الحزب لإستلام السلطة عن طريق العنف. ولما بلغ الخبر إلى عبدالكريم قاسم، كما ينقل جاسم كاظم العزاوي، سكرتير الزعيم في كتابه(4)، أنه راح في تلك الليلة إلى مقبرة الشيخ معروف وهو يتحدث طول الليل عن نهاية الإنسان والخيانة، مستخدماً عود الثقاب باحثاً عن قبر أبيه.
إن محاولة استلام الحزب للسلطة مسألة مثيرة للجدل لم تحسم بعد، حتى بين الشيوعيين أنفسهم، فمنهم من يؤيد رواية صالح دكلة، ومنهم من ينفيها، ومنهم مع إستلام السلطة ومنهم ضدها. ولكن، من خلال مناقشاتي مع العديد من الشيوعيين أكدوا لي أن فكرة إستلام السلطة كانت رائجة، وأغلب الشيوعيين كانوا متحمسين لها في تلك الفترة. وفعلاً كان هذا الموضوع محور صراع في قيادة الحزب آنذاك. فعند استفساري من الدكتور عزيز الحاج، القيادي الشيوعي السابق، بهذا الخصوص أجاب بالنص قائلاً: "مسألة قرار الحزب بأخذ السلطة في حزيران 1959: إنني أقرب إلى رواية صالح دكلة رغم إنني لا أعرف دقة ما أورده من تفاصيل وأحاديث. لكن هناك روايات أخرى منها ما تقدمه ثمينة، زوجة الفقيد سلام عادل، إذ هي تنفي ما ينسَّب لسلام عادل من نوايا أخذ السلطة قائلة أن الحديث كان عن تطبيق خطة للطوارئ كانت معتمدة، وكانت تقضي {من أجل منع مؤامرة، ثم لمنع ضرب الأكراد عام 1961} بإستخدام التظاهر وقوانا العسكرية لإجهاض التحركات و"إجبار" قاسم على الإنصياع!! غير أنها لا تجيب ما إذا كانت تحركاتنا العسكرية ستؤدي لحرب أهلية مع قاسم نفسه. فما معنى "إجباره" إن لَم يكن اصطداماً مباشراً بقاسم؟، فإذا رفض مطلبنا فمعناه ضرورة أخذ السلطة منه ونفيه للخارج في أحسن الأحوال. كما إن أم إيمان (ثمينة الرضي)، تختار تاريخ تموز لا حزيران في توقيت الأحداث، وهنا أيضاً أنا مع ذاكرة دكلة..".(5)
كما وينفي الحاج وجود مؤامرة التي ذكرها دكلة فيقول: "..لم تكن هناك مؤامرة ولا يحزنون، وإن دكلة هو من المسؤولين المباشرين عن توريط القيادة في قرارات التحشيد والإجراءات الإستثنائية في تلك الليلة.وعن المرحوم عطشان ضيؤول الأزيرجاوي في تقييم القوى(العسكرية)، يرى الحاج أنه "..(ورغم نضاليته وإخلاصه)، يبالغ ويتطرف، وهذا من انطباعاتي عنه في سجن نقرة السلمان.."(6)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1- لمن يرغب المزيد من تفاصيل حول هذه المحاكمة ورسائل النقد الذاتي، أن يراجع مذكرات المرحوم صالح دكلة (من الذاكرة)، دار المدى-دمشق عام 2000، قسم الملاحق.
2- صالح دكلة، من الذاكرة، دار المدى-دمشق، عام 2000، ص 59-61..
3- نجم محمود، المقايضة: بغداد-برلين، منشورات الغد، سنة 1991، ص223.
4- نجم محمود، المقايضة: بغداد-برلين، منشورات الغد، سنة 1991، ص223.
5- رسالة شخصية من الدكتور عزيز الحاج للمؤلف بتاريخ  9/1/2002.
6- د.عزيز الحاج، نفس المصدر.


1101 عدد مرات القراءه

 
آخر مقالاتي
العراقيون ولاؤهم لمن؟ ولماذا؟
أرسل لي صديق أكاديمي، وهو عالم لامع، وأستاذ في إحدى الجامعات الإنكليزية العريقة، ومهتم بالشأن العراقي، ومتابع لحيثياته، تعقيباً على مقالي الموسوم: (هل حقاً كان العهد الملكي ديمقراطياً، واعداً ومستقراً؟)(1)، ونظراً لأهميته، أنقله كاملاً: المزيد
غاليري الصور
 
جميع الحقوق محفوظة للدكتور عبدالخالق حسين ©
Powered & Developed by: TRE-CMS - The Red Elephant Content Management System The Red Elephant