إبحث في الموقع  
الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين
 

أسباب اغتيال ثورة 14 تموز(1-2)

أرسل إلى صديق ارسل لصديقك نسخة للطباعة اطبع


الفصل العاشر(1-2)

أسباب اغتيال ثورة 14 تموز(1-2)

هناك قول مأثور يفيد أن "الثورة تأكل أبناءها". كذلك يمكن القول أن كل ثورة تحمل معها تناقضاتها وصراعاتها. فالثورة هي استجابة للظروف الموضوعية عندما تتوفر لها العوامل الذاتية (الأداة المنفذة). ولكن لا يعني هذا أن جميع العوامل الموضوعية المضادة للثورة قد انتهت بالكامل، وإلا ففي هذه الحالة يتم التغيير بالوسائل السلمية وذلك عن طريق التطور السلمي التدريجي. لذا فهناك طبقات وشرائح في المجتمع من أصحاب النفوذ والمصالح من الملاكين والإقطاعيين في العهد السابق، وكذلك قوى خارجية من الدول الإستعمارية والشركات الإحتكارية، قد استفزتها الثورة وتضررت مصالحها منها، ولا بد أنها تركت لدى هذه الشرائح ردود أفعال عنيفة، ولا يمكن أن تتركها تواصل مسيرتها بسلام.
ومن جهة أخرى، فإن الجهات المستفيدة من الثورة، أعني الطبقات الإجتماعية، العمال والكادحين والفلاحين والبرجوازية الوطنية الصغيرة، وأرباب الصناعات، والمثقفين، وسائر الجماهير الشعبية ومن ورائها القوى السياسية الممثلة لمصالح هذه الشرائح الإجتماعية، لم تكن قد بلغت الدرجة الكافية من الوعي والنضج السياسي والثقافي لتحافظ على وحدتها من أجل حماية مصالحها، وتطوير سياساتها وفق متطلبات المرحلة التاريخية لصيانة ثورتها، ودرأ المخاطر عنها. فرغم اتفاق ضباط الأحرار والقوى السياسية في جبهة الإتحاد الوطني على تغيير الوضع، إلا إن هذه القوى ركزت أكثر اهتمامها على إسقاط النظام الملكي، ولم تلتزم بالبنود الأخرى من ميثاق الجبهة، وخاصة فيما يخص الموقف من الوحدة العربية وحكم البلاد بعد الثورة.
كانت الثورة مُستَهدفة منذ يومها الأول من قبل القوى الخارجية وخاصة الأنكلو- أمريكية، حيث تم الإنزال العسكري الإمريكي في لبنان والبريطاني في الأردن، للزحف على العراق ووأد الجمهورية الفتية، إلا إن التفاف الجماهير حول قيادة الثورة واستعدادها للتضحية في سبيل الدفاع عنها من أي عدوان، غيَّر حسابات المستعمرين فالتزموا بالحكمة القائلة: "لا تحارب شعباً في حالة ثورة"، كذلك موقف الجمهورية العربية المتحدة، والإتحاد السوفيتي في تضامنهما مع العراق، والدفاع عنه ضد أي عدوان خارجي، كل ذلك أرغم القوى الخارجية على تأجيل ضرب الثورة عن طريق الغزو الخارجي، والتخطيط لضربها بطرق أخرى فيما بعد. إذ رأت تلك القوى أنه من الأفضل إعادة الحصان الجامح إلى الحظيرة الإمبريالية عن طريق ضربها من الداخل، وذلك بانتظار خلق الصراعات الداخلية والإستفادة منها لإيجاد موطئ قدم لها.
ومن المؤسف القول أنه ما أن نجحت الثورة في تحقيق أهدافها الأولى المباشرة في إسقاط النظام الملكي، وإعلان الجمهورية، حتى وانفرط عقد الجبهة، وانشغلت القوى الوطنية والقومية في صراعات دموية في سبيل أغراض فئوية، وحزبية ضيقة على حساب المصالح الوطنية والقومية العامة. تلك الصراعات وفرت الجو المناسب، وفتحت الباب على مصراعيه لأعداء الثورة في الداخل والخارج، للإستفادة من الوضع الصاخب، وإستغلال الظروف لصالحها، وبالتالي إسقاط الثورة وإلحاق الضرر الفادح بالجميع .

لقد واجهتْ قيادة الثورة ركاما هائلاً من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت عبر قرون، وكان عليها إيجاد الحلول لها. كانت الثورة تمثل انعطافة تاريخية كبرى، وفي مرحلة تحولات ثورية عاصفة اجتاحت العراق، وكانت عربدة التاريخ في أشد عنفوانها.
وكان حل هذه المشاكل المتراكمة والأوضاع الصاخبة يحتاج إلى وقت وصبر وخبرة، والجماهير في حالة غليان. أرادت قيادة الثورة أن تحقق أكثر ما يمكن من المكتسبات الوطنية دفعة واحدة وفي وقت قصير، أي فوق طاقتها وفوق ما يتحمله المجتمع العراقي المتعدد الأعراق والأديان والطوائف والطبقات الإجتماعية، وأحياناً كانت مصالح هذه المكونات متقاطعة ومتضاربة ومتناقضة ومتشابكة في صراعات دموية ، وفوق ما تسمح لها العوامل الداخلية والخارجية.

نوجز أسباب الإطاحة بالثورة بما يلي:
لقد جاءت الثورة لتصحيح أوضاع شاذة وملحة وتحقيق منجزات ثورية للشعب كما ذكرنا أعلاه. ولكن هذه المنجزات التي هي في صالح مجموعة صاعدة من الناس تكون في نفس الوقت ضد مجموعة أخرى مضادة للتطور الاجتماعي. لذلك يمكن اعتبار مكتسبات الثورة هي في نفس الوقت أسباب اغتيالها وهي كما يلي:

اولاً- العوامل الخارجية:
لقد ضربت الثورة في الصميم، مصالح الدول الغربية وخاصة (الأنكلو- إمريكية) في العراق ومنطقة الشرق الأوسط، وذلك بتبني سياسة عدم الإنحياز وخروج العراق من حلف بغداد، والكتلة الإسترلينية، وإنهاء النفوذ البريطاني والإمريكي، ومشروع آيزنهاور، وإقامة العلاقات السياسية، والإقتصادية، والثقافية المتكافئة مع المعسكر الإشتراكي وعلى رأسه الإتحاد السوفيتي، في الوقت الذي كانت الحرب الباردة على أشد عنفوانها بين المعسكرين الغربي والشرقي، والصراع بينهما على مناطق النفوذ في دول العالم الثالث، وخاصة منطقة الشرق الأوسط.
كذلك كانت الثورة طموحة في إرغام الشركات النفطية في تحقيق أكبر ما يمكن من حقوق الشعب في الحصول على حصته من ثرواته النفطية، لذلك باشرت حكومة الثورة بالمفاوضات مع تلك الشركات، وأصدرت قانون رقم 80 لعام 1961 الذي تم بموجبه تحرير 99.5% من الأراضي العراقية من سيطرة الشركات النفطية الإحتكارية، ولائحة قانون تأسيس مصلحة النفط الوطنية، ودور قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم في تأسيس منظمة أوبك. وتلبية لدعوة الحكومة العراقية، اجتمع ممثلو سبعة بلدان مصدرة للنفط في بغداد في 14 أيلول 1960 وأعلن عن تشكيل منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك). وكانت هذه الثمرة الأولى للسياسة النفطية الوطنية العراقية التي لم يزل أثرها واضحاً في السياسية العالمية حتى يومنا هذا. وإرسال آلاف البعثات الدراسية من أبناء الوطن للخارج للتخصص في هندسة وإدارة النفط، الخطوات المهمة التي مهدت السبيل لتأميم النفط لاحقاً في بداية السبعينات. كذلك تأييد ودعم الثورة لحركات التحرر الوطني العربية والعالمية. 
هذه الإجراءات الثورية أعتبرت إستفزازاً للدول الغربية، وخاصة أمريكا وبريطانيا، وتجاوزاً على مصالح الشركات النفطية الإحتكارية، وخروجاً على المألوف من دولة نامية عن الطاعة، خاصة العراق الغني بثرواته والمهم بموقعه الإستراتيجي.

دور المخابرات الأجنبية
لقد لعبت المخابرات الأجنبية، وخاصة البريطانية والأمريكية، دوراً كبيراً في تخطيط وتدبير إنقلاب 8 شباط 1963، وبالأخص وكالة المخابرات الإمريكية CIA. كما ظهر فيما بعد أن صالح مهدي عماش كان عميلهم، ولعب دوراً كبيراً بهذا الخصوص، حيث تم رفده منذ كان ملحقاً عسكرياً في السفارة العراقية في واشنطن قبيل الثورة. وعمل العملاء المتسترون على دفع عبد السلام محمد عارف لإستدعائه إلى بغداد بعد الثورة مباشرة حيث تم تعيينه مديراً للإستخبارات العسكرية. وتبين فيما بعد أنه كان مرتبطاً بالمخابرات المركزية الإمريكية، ويشهد بذلك هاني الفكيكي (عضو القيادة القطرية لحزب البعث آنذاك) في كتابه (أوكار الهزيمة) فيقول: "ويبدو أن بُغضَ عمّاش للقرارات المعقدة ليس مزاجاً عابراً. ففي أوائل عام 1962، وهذا ما علمناه في وقت متأخر وبعد نهاية الحكم، كان قد طلب إلى (ويليام ليكلاند) معاون الملحق العسكري الأمريكي في بغداد إبلاغ المقدم محمد المهداوي وزملائه، الذي كان في دورة تدريب، تأخير عودتهم من الولايات المتحدة إلى إشعار آخر، بسبب إعتقال ضباط الشرطة وكشف تنظيمهم. وفعلاً تم إبلاغ المهداوي بذلك مع تحيات "أبو هدى" عمّاش، بعد إستدعائه لغرفة آمر المعسكر.(1)
ويضيف الفكيكي في مكان آخر من كتابه: ".. وأعلمني طالب شبيب لاحقاً، أن البكر كان قد استدعى جميل صبري وكلفه بحضور عماش استقبال (ويليام ليكلاند)..، بدلاً من عماش الذي كان يجتمع به صباح كل يوم سبت. وكما روى لي شبيب فإن جميل صبري تردد وتمنَّع في البداية، ولكنه قبل المهمة بسبب ضغوط البكر عليه. وإنه قرر إعلامنا بالأمر إلا إنه منع في اللحظة الأخيرة."(2). كما ويذكر الفكيكي عن اللقاء الذي تم بين وفد حكومة البعث عام 1963 مع جمال عبد الناصر في القاهرة فيقول: "في هذا اللقاء خاطب عبد الناصر علي صالح السعدي محذراً إياه من وليم ليكلاند، الذي سبق أن خدم في القاهرة وأسماه خبير إنقلابات، ولم يفهم علي آنذاك معنى التحذير ولم يكن يعلم بعلاقة ليكلاند ببعض البعثيين، عسكريين ومدنيين."(3)
هذه الشهادة تكشف بوضوح ودون أدنى شك إرتباط صالح مهدي عماش بالمخابرات الأمريكية، ودور المخابرات الأمريكية في إنقلاب 8 شباط 1963.
وفي مكان آخر من مذكراته يضيف الفكيكي: "وفي جناح قاسم عثروا على إضبارة تخص الدكتور زغيب، الأستاذ اللبناني المنتدب للتدريس في جامعة بغداد. وبتوصية وتزكية من ميشيل عفلق والقيادة القومية استخدمنا الدكتور زغيب لسنوات في نقل بعض الرسائل بيننا وبين القيادة القومية. وكان طالب  شبيب هو صلة الوصل به في بغداد. وحين دراستنا للملف وجدناه مليئاً بتقارير مديرية الأمن العامة والإستخبارات الإمريكية (CIA)، وتعاونه مع حزب البعث وتطلب إلى قاسم الموافقة على إعتقاله وإبعاده عن العراق، غير إن قاسم كتب على بعضها أمره بإبقائه ومراقبته بدقة"(4)
وهناك شهادة من الملك حسين أبداها في حديث شخصي منفرد مع محمد حسنين هيكل: ".. إسمح لي أن أقول لك إن ما جرى في العراق في 8 شباط (فبراير) قد حظي بدعم الإستخبارات الأمريكية. ولا يعرف بعض الذين يحكمون بغداد اليوم هذا الأمر ولكني أعرف الحقيقة. لقد عقدت إجتماعات عديدة بين حزب البعث والإستخبارات الأمريكية، وعقد أهمها في الكويت. أتعرف أن محطة إذاعة سرية تبث إلى العراق كانت تزود يوم 8 شباط (فبراير) رجال الإنقلاب بأسماء وعناوين الشيوعيين هناك للتمكن من إعتقالهم وإعدامهم."(5).

وتأكيداً لشهادة الملك حسين عن دور السي آي أيه وتعاونه مع التيار القومي في ضرب ثورة 14 تموز، قال الدكتور أحمد عبدالهادي الجلبي:
"… أما تدخل أمريكا الحقيقي الأول في العراق فبدأ في سنة 1962 حينما كلفت وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية (سي أي أيه) من جانب رئيس الولايات المتحدة بمجابهة الإتحاد السوفيتي والحزب الشيوعي في العراق، فعملت  سي آي أيه بشكل مباشر وبتحالف مع النظام المصري حينها بزعامة جمال عبدالناصر، وتعاونت مع حزب البعث العربي الإشتراكي في العراق، خصوصاً كوادر الحزب في القاهرة، ومن ضمنهم صدام حسين، على تشجيع وتأهيل الحزب لتسلم الحكم. وقد ذكر لي أحد مسؤولي ال (سي آي أيه) في فرانكفورت وإسمه جيم كريتشفيلد، كان مسؤول الـ(سي آي أيه) في أوربا أن الـ(سي آي أيه) أصدرت بالتعاون مع البعثيين قائمة بأسماء 1700 شخص تقريباً يجب تصفيتهم لدى قيام أي حركة ضد عبدالكريم قاسم والحزب الشيوعي في العراق. وفعلاً نشرت هذه الأسماء عبر إذاعة سرية للأمريكيين في منطقة الشرق الأوسط"(6). 

ثانياً: دور القيادة المصرية والتيار القومي العربي في إغتيال الثورة:
لقد سبق وأن جئنا على دور التيار القومي بشيء من التفصيل في الفصل السادس من هذا الكتاب. ونذكر هنا بإيجاز عن دوره في اغتيال الثورة. لقد أكد العديد من الباحثين وخاصة من ذوي التوجه القومي العربي، والذين كتبوا مذكراتهم من الضباط الأحرار، أن الوحدة العربية ما كانت من أهداف الثورة، وإنما العمل على تقوية التضامن العربي والتقارب مع الجمهورية العربية المتحدة بخاصة. وكان هذا أيضاً ضمن ميثاق جبهة الإتحاد الوطني. ولكن بعد الثورة بأيام، وهي في بداية إنتصارها، جاء ميشيل عفلق إلى العراق، واجتمع بقيادة حزب البعث وطرح شعار (الوحدة الإندماجية الفورية) كهدف أساسي وملح للتيار القومي العربي. ولم يكن التيار القومي جاداً في رفعه شعار الوحدة وإنما كانت الغاية منه إحراج موقف عبد الكريم قاسم واتخاذه ذريعة لإسقاطه.
كذلك الدور المدمر الذي لعبه جمال عبد الناصر في ضرب الثورة العراقية. وقد اعترف ناصر أنه دعم حزب البعث وغيره من فصائل التيار القومي في العراق، مادياً وإعلامياً من أجل الإطاحة بحكومة قاسم. وأكد أكرم الحوراني ذلك في مذكراته، وأنه لما فشلت محاولة الشواف في الموصل، شنت وسائل الاعلام الناصرية وبإيعاز من عبد الناصر حملة إعلامية مكثفة، الغاية منها تحريض قاسم على إعدام الطبقجلي، والحاج سري، والضباط القوميين الآخرين، ونعته بالجبن إن لم ينفذ ذلك، وذلك للإنتقام من هؤلاء الضباط القوميين لعدم نصرتهم للشواف من جهة، ولأخذ إعدامهم ذريعة للتحريض على قاسم في العراق والشارع العربي من جهة أخرى.

ثالثاً: العوامل الداخلية
جاءت الثورة، ليس لتحقيق الاستقلال السياسي والسيادة الوطنية فحسب، بل ولتحقيق العدالة الإجتماعية لمختلف شرائح وطبقات الشعب. لذلك باشرت الثورة بإصدار القوانين لتحقيق هذه الأهداف ومنها:

  1- قانون الإصلاح الزراعي
ضربت الثورة بعمق مصالح الإقطاعيين بإصدارها قانون الإصلاح الزراعي، وقانون إلغاء حكم العشائر الذي حرر الملايين من الفلاحين من ظلم شيوخهم. فحرم هذا القانون شيوخ الإقطاع من أهم نفوذ وسلطان لهم على سكان الأرياف الذين كانوا يشكلون حوالي 70% من الشعب. فكانوا على استعداد للتعاون مع أية جهة لإستعادة نفوذهم، ومكانتهم والقضاء على النظام الجديد.

2- الصراع الدموي بين القوى السياسية
انشغلت القوى السياسية المؤدلجة، اليسارية والقومية، في صراعات دموية عنيفة، رغم توسلات الزعيم عبد الكريم قاسم المتكررة بهم على وحدة الصف ونبذ صراعاتهم جانباً لحماية الثورة والوطن. لكن ومع الأسف الشديد، وقعت هذه الكلمات على أذنِ صماء. ونتيجة لهذه الصراعات الدموية بين القوى السياسية، حصلت انتهاكات وحوادث مؤسفة في الموصل وكركوك، وبدرجة أقل، في المدن العراقية الأخرى، راح ضحيتها الكثير من الأبرياء مما أساء كثيراً إلى سمعة الثورة وأضعفت مكانتها وجعلتها فريسة سهلة للانقضاض عليها من قبل أعداءها.
والذي أشعل فتيل الصراع هو رفع التيار القومي لشعار الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة والذي عارضه التيار الوطني المتمثل بالحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي والديمقراطي الكردستاني والقوى الأخرى. وهذا الصراع أدى إلى تصاعد شعبية الحزب الشيوعي، الحالة التي أطلق عليها بـ"المد الأحمر"، والذي بسببه تفشى الرعب والهلع في القوى المعادية للشيوعية في الداخل، وكذلك في الدول العربية والإقليمية الأخرى والدول الغربية وخاصة أمريكا وبريطانيا وبلورت عندهم اعتقاد خاطئ بأن عبدالكريم قاسم هو شيوعي، وأن الحزب الشيوعي على وشك إستلام السلطة في العراق. وهذا الخوف هو الذي دفع خصوم الشيوعية إلى تحالف ما يقارب الأربعين جهة داخلية وخارجية، لا يجمع بينها أي جامع سوى هدف واحد وهو الخلاص من قاسم والخطر الشيوعي. ويذهب نجم محمود (إبراهيم علاوي) إلى أبعد من ذلك، فيعتبر تصاعد شعبية الحزب الشيوعي في العراق والخوف من إستلامه السلطة السبب الأساسي والرئيسي لإغتيال ثورة 14 تموز، وخصص كتاباً لهذا الغرض يقع في أكثر من 500 صفحة.(7). وقد جئنا على تفاصيل هذا الصراع في فصول أخرى.

3-إصدار قانون الأحوال الشخصية
كانت الثورة طموحة في تحقيق العدالة الإجتماعية ومنها تحرير المرأة وإقرار حقوقها. وغني عن القول أنه لا يمكن تحقيق أي تقدم لأي شعب ونصفه الآخر مشلول ومحروم من حقوقه الإنسانية. فالمرأة التي تشكل  نصف المجتمع كانت وما زالت، محرومة من المساواة بأخيها الرجل في الحقوق والواجبات والمسؤوليات في المجتمع العراقي. أرادت قيادة الثورة أن تصحح هذا الخلل وتلغي الإجحاف بحق المرأة. فأصدرت قانون الأحوال الشخصية الذي ساوى بين الرجل والمرأة وخاصة في الإرث وشهادتها في المحاكم ووضع شروطاً صارمة على تعدد الزوجات. ولكن ما أن صدر هذا القانون التقدمي الذي حقق للمرأة الحد الأدنى من حقوق الإنسان، حتى استغله خصوم الثورة واعتبروه خروجاً على الإسلام وعملوا على تأليب رجال الدين ضد قيادتها.

4- سياسة الخروج على التمييز العرقي والطائفي
ورثت الدولة العراقية الحديثة التمايز الطائفي من الدولة العثمانية بحرمان أغلبية الشعب العراقي الشيعة من العرب والكرد والتركمان من حقوق المواطنة الصحيحة ومعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية. لقد تبنى قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم، سياسة عدم التمييز بين العراقيين على أساس العرق والدين أو المذهب. كما شدد على عدم التمييز في قبول طلبة الكلية العسكرية والأركان الذي كان متبعاً في العهد الملكي. كذلك لم يميِّز بين العراقيين في إسناد المناصب العالية، فقد اختار الصابئي عبدالجبار عبدالله رئيساً لجامعة بغداد لمكانته العلمية، والدكتور مهدي المخزومي الشيعي، عميداً لكلية الآداب.. فهذه هي المرة الأولى في تاريخ العراق تسند فيها هكذا مناصب لأبناء هذه الطوائف. اعتبرت هذه السياسة خروجاً على المألوف والموروث التركي، واستفزازاً للمستفيدين من التمييز العرقي والطائفي، لذلك انتقموا منه. ولكن لسوء حظ قاسم وحظ الشيعة أن المستفيدين من التمييز الطائفي استطاعوا إستدراج القيادات الدينية الشيعية وعلمائهم (دون الجماهير الشيعية)، ضد قاسم بحجة الخطر الشيوعي على الإسلام وتم لهم ما أرادوا.
يقول حسن العلوي: "وباغتيالهم حكومة عبد الكريم قاسم فقد انتهت (هذه العملية- التخلص من الطائفية السياسية) بحرمان العراقيين من نظام سياسي غير متعصب، لم يلتزم بتعميم تمذهب الدولة … وكان بعض علماء الإسلام، والبعثيون، والضباط والوزراء الشيعة الذين اشتركوا في إسقاط عبد الكريم قاسم من ضحايا هذه السياسة". ويضيف: " وفي أيامنا هذه، وحيث يحتدم الصراع الدموي بين البعثيين والحركة الإسلامية الشيعية، يلتقي الفريقان مرة في السنة على موقف واحد، في قضية واحدة، عند الذكرى السنوية لمقتل عبد الكريم قاسم، فيركزان وبمصطلحات واحدة على جهود كل منهما في إسقاط "الدكتاتور قاسم"، و"سيطرة الشيوعيين العملاء"، ويهاجمان عبد الكريم قاسم وحكومته بمفردات واحدة.".(8)

5- دور عبد السلام عارف في تدمير الثورة
رغم أن عبد السلام عارف كان على رأس القوات المسلحة في دخول بغداد صبيحة الثورة، وإذاعته لبيان الثورة من الإذاعة، إلا إنه يعتبر أيضاً سبباً أساسياً لفنائها، وقد أكد ذلك السيد مصطفى علي، وزير العدل في عهد قاسم للباحث الدكتور ليث الزبيدي عندما قال: "عبد الكريم قاسم جاء بثورة عظيمة، ولكن جاء بفنائها معها، جاء بعبد السلام عارف".(9)
كان عبد السلام عارف، رائد الحق العرقي والعزل المذهبي في العمل السياسي.. ولأول مرة في عهده، يجري العمل بالهوية العرقية والطائفية علناً. كما أكد ذلك الأستاذ هديب الحاج حمود وزير الزراعة في عهد قاسم عندما قال: " إن عبد السلام عارف ذكر لأحد الضباط الأحرار الموجودين معه في الفوج ليلة 14 تموز 1958، بأنهم سينفذون الثورة وهناك ثلاث جماعات يجب إستئصالها وهم: الأكراد، والمسيحيون والشيعة"(10). (وقد جئنا على دور عارف في تدمير الثورة في الفصل السادس الخاص بالثورة والوحدة العربية).

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1- هاني الفكيكي، أوكار الهزيمة دار رياض الريس-لندن، ط1، سنة 1993، ص 183.
2- هاني الفكيكي، المصدر ص 283.
3- هاني الفكيكي، المصدر السابق، ص 287.
4- هاني الفكيكي، نفس المصدر.
5- حنا بطاطو، المصدر السابق، ج3، ص 300، نقلاً عن "الأهرام" (القاهرة، 27 أيلول (سبتمبر) 1963
6- الدكتور أحمد عبدالهادي الجلبي عضو الهيئة القيادية للمؤتمر الوطني العراقي في ندوة خاصة نظمها مركز دراسات كربلا في لندن في مايس/أيار 2002 ، تحدث فيها عن السياسة الأمريكية تجاه العراق. نشر الحديث في صحيفة المؤتمر اللندنية العدد 304 يوم 18/5/2002.
7- نجم محمود، المقايضة: بغداد-برلين، منشورات الغد، الطبعة الأولى، لندن، 1991
8- حسن العلوي، الشيعة والدولة القوية في العراق، مطبوعات CEDI فرنسا 1989، ص 206-207. 
9- د.ليث الزبيدي، ثورة 14 تموز 1958، ص408.
10- د.ليث عبدالحسن الزبيدي، المصدر السابق، في مقابلة مع  السيد هديب الحاج حمود، ص44-45...


618 عدد مرات القراءه

 
آخر مقالاتي
داعش تفجر جامع النوري في الموصل
  أقدمت القوى الظلامية البعثية الداعشية على جريمة أخرى تضاف إلى القائمة الطويلة من جرائمها بحق الشعب العراقي والإنسانية، والرموز التاريخية والمعالم الحضارية. وآخر جريمة قام بها تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش)، هي جريمة المزيد
غاليري الصور
 
جميع الحقوق محفوظة للدكتور عبدالخالق حسين ©
Powered & Developed by: TRE-CMS - The Red Elephant Content Management System The Red Elephant